تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومحيطها الجيوسياسي الممتد إلى أفغانستان وباكستان، أزمة مركبة واسعة النطاق؛ فلم يعد الصراع الدائر مجرد مواجهة محصورة في خطوط الجبهات، بل تحول إلى أزمة عابرة للحدود تضغط على ركائز الاقتصاد العالمي وتعيد تشكيل توقعات الأسواق والمؤشرات المالية.
أدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، إلى جانب استهداف منشآت حيوية للطاقة، إلى اضطراب واسع في حركة التجارة والإمدادات، وأطلق موجة من الضغوط التضخمية طالت الاقتصادات المتقدمة والنامية على حد سواء. ويواجه صانعو السياسات النقدية خيارات أكثر تعقيداً، فيما يعيش ملايين من سكان المنطقة تداعيات إنسانية قاسية، من النزوح وفقدان مصادر الدخل إلى الضغط المتزايد على الخدمات الأساسية.
زلزال الطاقة والضغوط التضخمية
تتربع أزمة الطاقة الحالية على رأس قائمة التداعيات الأكثر خطورة للصراع الراهن؛ إذ تحول مضيق هرمز من ممر حيوي للتجارة الدولية إلى بؤرة توتر شديدة الحساسية. وقد أسفر الإغلاق الفعلي لهذا الشريان الحيوي، إلى جانب الهجمات التي طالت منشآت الطاقة، عن صدمة كبيرة في جانب المعروض العالمي من المواد الهيدروكربونية.
تُرجم هذا النقص في الإمدادات سريعاً داخل الأسواق العالمية، عبر ارتفاعات حادة في أسعار النفط والغاز. فقد لامس خام برنت مستويات 112 دولاراً للبرميل في مايو/أيار، بينما شهدت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا قفزات قوية في المراحل الأولى من الأزمة قبل أن تتراجع نسبياً، مع بقائها عند مستويات مرتفعة مقارنة بما قبل التصعيد.
ويرى اقتصاديون أن استمرار هذه الارتفاعات لفترات مطولة يحمل مخاطر واضحة على الاستقرار المالي العالمي. فزيادة تكاليف الطاقة توسع عجز الحساب الجاري لدى الدول المستوردة الصافية للنفط، وتغذي الضغوط التضخمية الأساسية عبر رفع تكاليف الإنتاج والنقل لمختلف السلع والخدمات.
يفرض هذا الواقع ضغوطاً إضافية على البنوك المركزية حول العالم، وقد يدفعها إلى التمهل في خطط التيسير النقدي أو إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، بما يضعف النمو العالمي ويرفع تكلفة الاقتراض على الدول النامية المثقلة بالديون.
في قلب الإعصار
إذا كانت الآثار العالمية للأزمة تُقاس بالأرقام والمؤشرات المالية، فإن الوضع داخل دول بؤرة الصراع المباشرة يمثل أزمة إنسانية واقتصادية متداخلة. وتُعد إيران والعراق ولبنان، إلى جانب دول مجلس التعاون الخليجي، من بين الأكثر تعرضاً للمخاطر بحكم موقعها الجغرافي والجيوسياسي المباشر.
في إيران، أدت التطورات الميدانية وتأثر خطوط الإنتاج والاتصال إلى اضطراب واسع في مفاصل الاقتصاد الوطني. ولم يتوقف الأثر عند تراجع مؤشرات الإنتاج، بل امتد إلى البُعد الإنساني والاجتماعي؛ إذ أشارت تقديرات أممية ومنظمات إغاثية في مارس/آذار 2026 إلى نزوح أكثر من 3.2 ملايين شخص داخلياً، ما شكل ضغطاً كبيراً على مراكز الإيواء والخدمات الأساسية وحرم ملايين الأسر من مصادر رزقها المستقرة.
وفي لبنان، يبدو المشهد الإنساني بالغ التعقيد. فقد نزح أكثر من مليون شخص، أي ما يزيد على خُمس سكان البلاد. هذا النزوح الواسع والسريع وضع البنية التحتية المتهالكة للدولة، والمنظومتين الصحية والتعليمية، أمام تحديات تفوق قدراتها الاستيعابية بمراحل، وسط شح كبير في المساعدات والتمويل الدولي اللازم لاحتواء التداعيات اليومية.
وعلى الجانب الاقتصادي، تلقت دول مجلس التعاون الخليجي والعراق ضربة قوية نتيجة تعطّل صادرات النفط والغاز عبر مضيق هرمز. وبما أن هذه الاقتصادات تعتمد بدرجات متفاوتة على الإيرادات النفطية لتمويل موازناتها وتغذية صناديقها السيادية، فقد انعكس الاضطراب في قطاع الهيدروكربونات على توقعات النمو والناتج المحلي الإجمالي وخطط الإنفاق الرأسمالي.
الأزمة تكشف مواطن الضعف
يعمل الصراع الحالي كعدسة مكبرة تكشف العيوب الهيكلية المزمنة في بعض اقتصادات المنطقة، وفي مقدمتها محدودية التنويع الاقتصادي والاعتماد الكبير على مسار بحري واحد لصادرات النفط والغاز. فقد أظهرت أزمة هرمز أن الثروة النفطية لا تكفي وحدها لتوفير الحماية إذا كانت خطوط الإمداد اللوجستية تفتقر إلى بدائل مرنة.
وتبرز دول مثل قطر والكويت والعراق كأمثلة على هذا الانكشاف الهيكلي؛ إذ ترتبط صادراتها بدرجة كبيرة بسلامة نقطة مرور جغرافية واحدة. ومع تعطل هذا المسار، ظهرت صعوبة تحويل المسارات التصديرية أو إيجاد بدائل فورية، ما وضع العائدات الحكومية وخطط التنمية ومشاريع البنية التحتية أمام ضغوط قوية قد تمتد آثارها لسنوات.
في المقابل، أظهرت الإمارات العربية المتحدة قدراً من المرونة النسبية بفضل تنمية قطاعات غير نفطية مثل الخدمات المالية والسياحة والطيران والصناعات التحويلية والتكنولوجيا. كما أن وجود منفذ تصديري في الفجيرة يوفر هامشاً إضافياً مقارنة بدول تعتمد بصورة شبه كاملة على العبور عبر هرمز. لكن هذه المرونة لا تعني تحصين الاقتصاد من تداعيات الأزمة، بل تخفف حدتها نسبياً.
الموجات الارتدادية
من الأخطاء الشائعة عند تقييم تكلفة الحروب قصر النظر على جبهات القتال المباشرة؛ فالصراع الحالي يثبت أن الموجات الارتدادية للأزمات لا تعترف بالحدود السياسية. وتواجه اقتصادات تقع جغرافياً بعيداً عن الخطوط الأمامية، مثل مصر والأردن وباكستان، حزمة من الآثار السلبية غير المباشرة التي تضغط على استقرارها المالي والاجتماعي.
تتمثل أولى هذه الضغوط في ارتفاع أسعار الطاقة المستوردة، ما يزيد تكلفة الدعم الحكومي ويجهد موازنات دول تعاني أصلاً مستويات دين مرتفعة ونقصاً في الاحتياطيات النقدية الأجنبية. وثانيها، يتمثل في التراجع المحتمل في حركة السياحة الوافدة، إذ يدفع تصنيف المنطقة كبؤرة توتر شركات الطيران والسياحة العالمية إلى تقليص الرحلات أو تغيير الوجهات، ما يحرم دولاً مثل الأردن ومصر من أحد مصادر النقد الأجنبي وفرص العمل.
إضافة إلى ذلك، قد تتضرر تدفقات تحويلات المغتربين العاملين في دول الخليج إذا أدى انكماش قطاع الهيدروكربونات وتراجع العائدات الخليجية إلى تباطؤ الأنشطة الاقتصادية هناك. وتمثل هذه التحويلات شريان حياة لملايين الأسر وعنصراً مهماً في استقرار ميزان المدفوعات والحد من الفقر في دول كباكستان ومصر.
لا تقف التكلفة الحقيقية للصراعات عند حدود الخسائر اللحظية في أسواق الأسهم أو تدمير المنشآت، بل تمتد إلى الأجيال القادمة عبر تعطيل التنمية وتقويض رأس المال البشري. فالصراع المسلح يوقف عجلة التنمية المستدامة، ويضر بالمنظومات التعليمية والصحية، ويدفع إلى هجرة العقول والكفاءات التي يصعب تعويضها سريعاً.
من البناء والمنافسة إلى الإغاثة وإعادة الإعمار
تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المتأثرة بالصراع، كان من الممكن أن يكون أعلى بنسبة 45% في سيناريوهات افتراضية طبيعية من دون أزمات. وتعادل هذه الخسارة، وفق البنك الدولي، متوسط التقدم الذي حققته المنطقة خلال نحو 35 عاماً.
هذا الرقم لا يعكس مجرد فجوة في جداول البيانات، بل يعني خسارة فرص تعليمية وصحية وإنتاجية وفرص عمل كان يمكن أن تتراكم لمصلحة جيل كامل. وبذلك تتحول الحرب من حدث أمني إلى انتكاسة تنموية طويلة الأمد، تعيد الدول من مسار البناء والمنافسة إلى دائرة الإغاثة وإعادة الإعمار.
تثبت المعطيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالصراع الراهن أن الحرب هي الخيار الأعلى تكلفة. فأثر الرصاصة لا يتوقف عند جبهة القتال، بل يصل إلى كل بيت عبر التضخم ونقص الإمدادات وضياع فرص التنمية.
إن حماية ما تبقى من المكتسبات الاقتصادية وبناء مستقبل أكثر استقراراً للشرق الأوسط ومحيطه، يتطلبان إدراكاً إقليمياً ودولياً بأن السلم والأمن ليسا شعارين سياسيين أو مطلبين أخلاقيين فحسب، بل ركيزتان أساسيتان وشرط مسبق لأي نشاط اقتصادي مستدام. من دونهما، ستبقى مقدرات الشعوب وثرواتها عرضة للضياع في أزمات متكررة.















