بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

حروب الهوية (2-2)

حرب الظلال في العواصم الغربية: كيف تمارس الأنظمة السلطوية “القمع العابر للحدود” لملء الفراغ؟

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

بينما تواصل حكومات غربية توسيع أدوات المراقبة الأمنية داخل مجتمعاتها بحثاً عن “العدو الداخلي”، كما بيّن الجزء الأول من هذه السلسلة، تجد الجاليات المهاجرة نفسها مكشوفة أمام تهديد آخر، مختلف في مصدره لكنه لا يقل خطورة في أثره. إنه القمع العابر للحدود (Transnational Repression)… نمطٌ متصاعد من النفوذ الخفي حوّل مدناً مثل لندن وتورنتو وبرلين إلى مساحات تأثير غير معلنة لأجهزة دول أجنبية.

إن تراجع الدولة المضيفة عن دورها في توفير “الأمن الشامل” للجاليات – والاكتفاء بمقاربات رقابية – خلق فراغاً اجتماعياً وأمنياً سارعت أنظمة سلطوية في دول الأصل إلى ملئه. لا يُستخدم الشتات هنا بوصفه امتداداً ثقافياً أو بشرياً فحسب، بل كأداة ضغط جيوسياسي، وأحياناً كرهينة غير معلنة لضمان الصمت أو الولاء السياسي خارج الحدود.

رهائن في فضاء الحرية: “الإكراه بالوكالة”

قد يعيش الفرد في دولة تكفل حرية التعبير قانونياً، لكنه يمتنع عن ممارسة هذا الحق فعلياً. هذا التناقض يلخّص تجربة آلاف النشطاء والمهاجرين اليوم. فالقمع العابر للحدود لا يعتمد بالضرورة على الاغتيالات أو الاختطاف – على خطورتها – بل يرتكز أساساً على ما يُعرف بـ “الإكراه بالوكالة”: تهديد غير مباشر يُمارَس عبر العائلة أو الممتلكات في الوطن الأم.

في هذا النموذج، يصبح الناشط في أوروبا أو أمريكا الشمالية “رهينة سياسية” رغم وجوده في بيئة ديمقراطية. تصل الرسائل، أحياناً بصيغة صريحة وأحياناً مباشرة: صمتك هنا هو شرط سلامة من تحب هناك. هذا النوع من القمع يُفرغ منظومات الحماية القانونية في الدول المضيفة من فعاليتها، لأن مركز التهديد يقع خارج ولايتها القضائية، بينما أثره النفسي والسياسي يُمارَس داخلها.

النموذج الصيني: شبكة رقابة عابرة للقارات

تُعد الصين المثال الأكثر تنظيماً في ممارسة القمع العابر للحدود. فمن خلال أجهزة الحزب والدولة، وعلى رأسها جبهة العمل المتحدة، طوّرت بكين استراتيجية شاملة للسيطرة على الشتات الصيني سياسياً وثقافياً.

كشفت تقارير دولية عن وجود “مراكز شرطة خارجية” غير رسمية في دول غربية، استُخدمت للترهيب والضغط على مواطنين صينيين لإجبارهم على “العودة الطوعية” لمواجهة إجراءات قضائية. لكن الأخطر من ذلك هو التغلغل الناعم داخل الجامعات. تلعب جمعيات الطلبة والعلماء الصينيين (CSSAs) دوراً مزدوجاً؛ فهي توفر دعماً اجتماعياً للطلاب، لكنها في الوقت نفسه تعمل، بحسب باحثين، كقنوات مراقبة غير رسمية للسفارات.

يفيد طلاب صينيون في جامعات غربية بأنهم يعيشون في بيئة شك دائم، حيث يُخشى من وجود “مخبرين” بين الزملاء، ويُنظر إلى النشاط السياسي أو حتى النقاش العام بوصفه مخاطرة قد تنعكس مباشرة على مستقبل العائلة في الداخل. وقد دفع هذا الخوف بعض نشطاء هونغ كونغ في المهجر إلى إخفاء هوياتهم أثناء مشاركتهم في احتجاجات قانونية، ليس خشية من شرطة الدول المضيفة، بل من كاميرات وهواتف تلتقط الصور لصالح أجهزة الحزب.

الحالة الإريترية: القمع المالي والعنف العلني

على الطرف الآخر من الطيف، تقدّم إريتريا نموذجاً مختلفاً من حيث المباشَرة والعلنية. يعتمد النظام الإريتري على الشتات كمصدر تمويل أساسي، من خلال ما يُعرف بـ “ضريبة الشتات” (2%)، التي تُحصّل قسراً عبر القنصليات. المعادلة واضحة: من يرفض الدفع يُحرم من الخدمات القنصلية، وتُمارَس ضغوط مباشرة على عائلته في الداخل.

انعكس هذا القمع في تحوّل مهرجانات ثقافية إريترية في أوروبا وأمريكا الشمالية إلى ساحات صراع مفتوح. تُقدَّم هذه الفعاليات بوصفها احتفالات فلكلورية، لكنها تُستخدم عملياً للتعبئة السياسية وجمع الأموال. في المقابل، ظهرت مجموعات معارضة، مثل “Brigade Nhamedu”، هاجمت هذه الفعاليات، ناقلة الصراع السياسي الإريتري إلى شوارع مدن غربية، في مشهد أربك أجهزة الشرطة التي تعاملت مع العنف دون فهم جذوره السياسية العميقة.

موسكو وأنقرة: الخوف والانقسام

لا تغيب روسيا عن هذا المشهد. فبعد غزو أوكرانيا، واجهت موجات الهجرة الروسية الجديدة بيئة من الشك المتبادل. تشير شهادات من المنفى إلى وجود مخبرين داخل مجتمعات المهاجرين، وإلى شعور عام بأن أي نشاط سياسي علني قد تكون له تبعات طويلة الأمد. يختصر بعضهم وضعه بعبارة لافتة: “تصريح إقامتي صالح طالما النظام قائم”.

أما تركيا، فيمتد استقطابها السياسي الداخلي إلى قلب أوروبا. وقد وُضعت بعض المساجد التابعة لـ الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية (DITIB) في ألمانيا تحت المراقبة، على خلفية اتهامات تتعلق بتجنيد أئمة أو نقل معلومات لصالح أنقرة. في هذا السياق، تحوّلت دور العبادة من فضاءات روحية إلى نقاط توتر سياسي، ما فاقم انعدام الثقة داخل الجاليات نفسها.

فراغ الحماية وحرب الظلال

إن نجاح الأنظمة السلطوية في ممارسة القمع العابر للحدود لا يعود فقط إلى قدراتها الاستخباراتية، بل – وربما أساساً – إلى غياب الحماية البديلة في الدول المضيفة. فعندما يشعر المهاجر بأن الشرطة المحلية تنظر إليه كمشتبه به، لا كشخص يحتاج إلى حماية، فإنه لن يلجأ إليها عند تعرضه لتهديدات صادرة عن سفارة بلاده أو وكلائها غير الرسميين.

هذا الفراغ لا يُستغل للقمع فقط، بل يُستثمر أيضاً في حرب سرديات طويلة النفس، تهدف إلى عزل الجاليات عن مجتمعاتها الجديدة، وإبقائها أسيرة هويات خوف وولاءات قسرية. في الجزء الثالث من هذه السلسلة، سننتقل من تتبع أدوات القمع إلى تفكيك هذه السرديات: كيف تُهندس الفوضى، وكيف تُستخدم “سرديات الإسفين” لتقسيم المجتمعات من الداخل.