بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

انتخابات محلية

أزمة ستارمر تهز حزب العمال.. هل يتآكل “الجدار الأحمر” ويفتح الطريق أمام صعود اليمين الشعبوي في بريطانيا؟

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تعصف بحكومة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أزمة متصاعدة تتجاوز حدود الإخفاقات الانتخابية المحلية، لتهدد البنية الداخلية لحزب العمال وتفتح الباب أمام يمين شعبوي يتربص بفراغ السرديات السياسية الكبرى في المملكة المتحدة. فنتائج الانتخابات الأخيرة لم تكن مُجرد انتكاسة عابرة، بل بدت وكأنها إنذار مبكر بانهيار التوازن الذي أوصل العمال إلى السلطة، في وقت تتآكل فيه الثقة الشعبية بالأحزاب التقليدية وتتسع فيه مساحة الغضب الاجتماعي والاقتصادي.

في قلب لندن، خلف أبواب “داونينج ستريت”، يتشكّل تمرُّد صامت لم تعد جدران السلطة قادرة على احتوائه. فما بدا في البداية ردود فعل عابرة على نتائج انتخابات محلية خيّبت الآمال، سرعان ما كشف عن صراع أعمق على هوية حزب العمال ومساره السياسي.

استقالات وزارية متتالية

بينما كانت الاستقالات الوزارية المتتالية تتوالى خلال ساعات معدودة، حملت رسائل المستقيلين اتهامات مباشرة لقيادة توصف بالجمود والبطء في الاستجابة لمتطلبات الشارع البريطاني. وبات واضحاً أن الأزمة تجاوزت النقاشات التقليدية حول الأداء الحكومي، لتتحول إلى مواجهة داخلية بين تيارين: الأول يريد الحفاظ على النهج الوسطي البراغماتي الذي يتبناه ستارمر، والثاني يرى أن الحزب يفقد تدريجاً جذوره الاجتماعية وتواصله مع الطبقات الشعبية.

ويعتقد منتقدو القيادة الحالية أن حزب العمال يتحول شيئاً فشيئاً إلى “كيان تكنوقراطي” يسعى لإرضاء الأسواق المالية والمؤسسات الاقتصادية، بينما يترك الشارع الغاضب نهباً لخطابات الاحتجاج الشعبوية. وفي ظل هذه الأجواء، لم تعد الاستقالات حوادث سياسية معزولة فحسب، بل مؤشرات على تصدع أعمق داخل البنية الحزبية نفسها.

الجدار الأحمر يتآكل

لم تكن الانتخابات المحلية الأخيرة مجرّد اختبار دوري لقياس المزاج الشعبي، بل تحولت إلى مرآة سياسية كشفت تآكلاً حقيقياً في “الجدار الأحمر”، أي المناطق الصناعية والشمالية التي شكّلت لعقود طويلة الخزان الانتخابي التاريخي لحزب العمال.

في تلك المناطق التي تواجه ضغوط التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، بدا جزء متزايد من الناخبين أكثر انجذاباً إلى خطاب نايجل فاراج وحزب الإصلاح اليميني، الذي يتحدث بلغة مباشرة حول الهجرة والسيادة الوطنية والهوية البريطانية، في مقابل خطاب حكومي يبدو أقرب إلى إدارة الأزمات التقنية منه إلى تقديم مشروع سياسي جامع.

المشكلة بالنسبة لحزب العمال لا تكمن فقط في خسارة مقاعد انتخابية، بل في خسارة العلاقة العاطفية والسياسية مع شرائح كانت ترى فيه تاريخياً ممثلاً لمصالحها الاجتماعية والاقتصادية. ومع كل تراجع في تلك المناطق، يزداد القلق داخل الحزب من أن تتحول الأزمة الحالية إلى إعادة اصطفاف سياسي طويل الأمد يصعب احتواؤه لاحقاً.

كما أن صعود اليمين الشعبوي في بريطانيا لا يمكن فصله عن موجة أوروبية أوسع تستفيد فيها الأحزاب القومية والمحافظة من الغضب الشعبي تجاه النخب التقليدية، ومن المخاوف المرتبطة بالهجرة والاقتصاد والتحولات الثقافية.

معضلة القيادة الحالية

يجد كير ستارمر نفسه اليوم أمام معادلة سياسية معقدة تكاد تكون مستحيلة. فالانعطاف نحو اليسار لاستعادة القواعد الشعبية قد يثير مخاوف الأسواق المالية ودوائر الأعمال، ويعيد إلى الأذهان تجربة حزب العمال خلال مرحلة زعيمه السابق جيريمي كوربن، التي واجهت انتقادات حادة من المؤسسة الاقتصادية البريطانية.

في المقابل، فإن الاستمرار في النهج الوسطي الحالي يُهدد بتفكك الائتلاف الانتخابي الذي أوصل الحزب إلى السلطة، خصوصاً مع شعور قطاعات شعبية واسعة بأن الحكومة لا تقدم حلولاً ملموسة لأزماتها اليومية.

ويأخذ كثيرون على ستارمر اعتماده ما يمكن وصفه بـ”التكنوقراطية الهادئة”، أي التركيز على الإدارة والانضباط المؤسسي من دون القدرة على إنتاج خطاب سياسي مُلهم أو سردية وطنية قادرة على تعبئة الشارع البريطاني في لحظة تتسم بارتفاع التوترات الاقتصادية والاجتماعية.

هذه المعضلة تجعل رئيس الوزراء البريطاني عالقاً بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الذهاب نحو سياسات أكثر شعبوية واجتماعية مع ما يحمله ذلك من مخاطر اقتصادية، أو البقاء في الوسط السياسي مع ما قد ينتج عنه من خسارة تدريجية للقواعد الشعبية.

بريطانيا أمام التحول

المشهد الحالي يوحي بأن بريطانيا تدخل مرحلة جديدة من عدم اليقين السياسي، حيث لم تعد كفاءة إدارة الملفات وحدها كافية لضمان الاستقرار الحكومي أو الحفاظ على الولاء الانتخابي.

الناخب البريطاني، كما في كثير من الديمقراطيات الغربية، بات يبحث عن روايات سياسية كبرى تمنحه شعوراً بالأمان والهوية والقدرة على مواجهة التحولات الاقتصادية العالمية، وليس فقط عن حكومات تتقن لغة الأرقام والإدارة.

تبدو الأزمة التي يواجهها ستارمر أكبر من مُجرّد خلاف حزبي أو تمرد داخلي عابر؛ إنها تعبير عن تحولات هيكلية تضرب النموذج السياسي التقليدي في المملكة المتحدة، وتفتح الباب أمام إعادة تشكيل المشهد الحزبي برمته.

وفي حال فشل حكومة العمال في استعادة المبادرة السياسية سريعاً، فإن الانتخابات المقبلة قد لا تكون استحقاق انتخابي عادي فحسب، بل لحظة فاصلة تعيد رسم موازين القوى داخل بريطانيا، وربما تدفع البلاد نحو مرحلة أكثر استقطاباً وصعوداً للتيارات الشعبوية والاحتجاجية.