بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

تقرير إقليمي

واشنطن تُدوّل ملف الصحراء أمنياً: تحركات السيناتور تيد كروز تُعيد طرح “البوليساريو” منظمة إرهابية ضمن أجندة احتواء إيران

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

دخل ملف نزاع الصحراء مرحلة جديدة من “التدويل الأمني” داخل أروقة القرار في واشنطن، مدفوعاً بتحركات يقودها السيناتور تيد كروز. لا يستهدف هذا التحول حسم النزاع الحدودي التاريخي بقدر ما يسعى إلى هندسة “هوية أمنية” جديدة لجبهة البوليساريو كوكيل مُحتمل للحرس الثوري الإيراني.

إن محاولة استنساخ نموذج “الحوثيين” وإسقاطه على المغرب العربي تعكس توجهاً لربط النزاعات الإفريقية باستراتيجية “احتواء إيران” العالمية، ما قد ينهي عقوداً من التعامل مع الملف كقضية إقليمية بين المغرب والجزائر ويضعه في قلب صراع المحاور الكبرى.

امتداد مُحتمل لنموذج وكلاء إيران

دفع تصعيد السيناتور الأمريكي تيد كروز بملف جبهة البوليساريو إلى واجهة النقاش داخل مؤسسات القرار في واشنطن، بعدما قدّمها خلال جلسة استماع بمجلس الشيوخ كـ “امتداد مُحتمل” لنموذج الوكلاء الإيرانيين. في مداخلته، لم يكتف كروز بالتحذير، بل أعاد طرح مشروع قانون يربط تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية بإثبات تعاونها مع جهات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني أو حزب الله، محدداً مجالات هذا التعاون في العمليات العسكرية وأنظمة الأسلحة والطائرات المسيّرة والاستخبارات، في محاولة واضحة لنقل الملف من سياقه السياسي التقليدي إلى مقاربة أمنية دولية.

رغم أن وزارة الخارجية الأمريكية تعاملت مع هذه الطروحات بحذر، مكتفية بالإشارة إلى “مخاوف” و”متابعة استخباراتية” دون تأكيد علني، فإن تصريحات كروز تعكس توجهاً داخل بعض الدوائر المحلية لربط النزاعات في شمال وغرب إفريقيا بشبكات النفوذ الإيراني، خصوصاً في ظل تصاعد الحديث عن توسع طهران خارج نطاق الشرق الأوسط.

من الشرق الأوسط إلى إفريقيا

تعتمد الاستراتيجية الإيرانية منذ سنوات على بناء نفوذ عبر “وكلاء محليين”، كما هو الحال مع الحوثيين في اليمن أو حزب الله في لبنان، وهو النموذج الذي أشار إليه كروز بشكل مباشر عند وصفه للبوليساريو بأنها “نسخة حوثية محتملة”. ويقوم هذا النموذج على دعم جماعات محلية بالتمويل والتدريب والتسليح، بما يسمح لطهران بتوسيع نفوذها دون الانخراط المباشر.

ويُرجح أن نقل هذا النموذج إلى إفريقيا – إن ثبت – سيمنح إيران موطئ قدم استراتيجي في منطقة تمتد من الساحل إلى غرب القارة، وهي منطقة تشهد بالفعل هشاشة أمنية وانتشاراً لشبكات تهريب وجماعات مسلحة.

شبكات مُعقدة.. النفوذ الإيراني القائم

بعيداً عن الجدل حول البوليساريو، تشير تقارير دولية إلى أن إيران نجحت بالفعل في بناء بُنية نفوذ متعددة الأبعاد داخل القارة السمراء، تعتمد أساساً على شبكات مالية ولوجستية يقودها حزب الله. ووفقاً لما نقلته صحيفة “لوموند” الفرنسية، فإن هذه الشبكات تنشط في غرب إفريقيا عبر أنشطة تشمل غسل الأموال وتجارة المخدرات والماس، مستفيدة من الجاليات اللبنانية، وتدر عائدات كبيرة تُستخدم في تمويل عمليات التنظيم المرتبط بطهران.

كما توضح دراسات صادرة عن مراكز أبحاث استراتيجية أن هذه الشبكات لا تعمل بمعزل عن بيئات النزاع، بل تستفيد من ضعف الدولة والحدود المفتوحة لتوسيع نشاطها، ما يجعل القارة منصة مثالية لعمليات التهريب وإعادة توجيه الموارد عبر مسارات دولية معقدة.

البحث عن “ذراع محلية”

في هذا الإطار، يكتسب طرح كروز أهمية خاصة، إذ يربط بين هذه الشبكات القائمة ومحاولة محتملة للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تقوم على وجود “ذراع محلية” ذات وزن سياسي وعسكري داخل إفريقيا، على غرار النماذج التي اعتمدتها إيران في مناطق أخرى.

ويشير هذا الطرح إلى أن وجود جماعة منظمة مثل البوليساريو – في حال ثبتت صلاتها – قد يوفر لإيران:

أولاً: قاعدة نفوذ إقليمية.

ثانياً: قناة لنقل السلاح والخبرات.

ثالثاً: القدرة على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي.

لكن في المقابل، لا تزال هذه الفرضية في إطار الاتهامات السياسية، إذ لم تُقدَّم أدلة علنية قاطعة تؤكد وجود هذا المستوى من التعاون.

بين الاتهام والواقع

تعكس تصريحات كروز محاولة لإعادة تعريف موقع البوليساريو في المشهد الدولي، من حركة نزاع إقليمي إلى فاعل محتمل ضمن شبكة تهديدات عابرة للحدود مرتبطة بإيران. غير أن هذا الطرح يصطدم بحذر المؤسسات الرسمية الأمريكية، التي تفضل التعامل مع الملف ضمن إطار استخباراتي مغلق، دون تبني استنتاجات نهائية.

في المقابل، يبقى الثابت في التقارير الدولية أن إيران تمتلك بالفعل حضوراً متنامياً في إفريقيا عبر أدوات غير مباشرة، تشمل التمويل والتهريب والنفوذ الدبلوماسي، وهو ما يطرح تساؤلات حول إمكانية تطور هذا الحضور إلى أشكال أكثر تنظيماً وتأثيراً في المستقبل.

بين تصعيد تيد كروز وتحفظ المؤسسات الرسمية، يتشكل نقاش أوسع حول مستقبل النفوذ الإيراني في إفريقيا، وما إذا كانت طهران ستكتفي بشبكاتها المالية واللوجستية الحالية، أم تسعى إلى بناء أذرع محلية على غرار نموذجها في الشرق الأوسط.