في لحظة يزداد فيها العالم اضطرابًا، وتتصاعد فيها أسئلة المعنى والوجود، يعود سلمان رشدي بمجموعته القصصية الجديدة “الساعة الحادية عشرة” (“رندوم هاوس”. نيويورك) ليكتب من تخوم التجربة الإنسانية الأكثر هشاشة: الاقتراب من الموت.
غير أن رشدي لا يتعامل مع هذه اللحظة بوصفها نهاية مأساوية، بل يحوّلها إلى مساحة للتأمل والسخرية والتمرد، حيث تتجاور الكوميديا السوداء مع الأسئلة الوجودية، ويتداخل الواقعي بالعجائبي في سرد غني متعدد الطبقات.
كوميديا سوداء على تخوم الفناء
يفتتح رشدي مجموعته القصصية بنبرة عبثية لافتة في قصة “الزميل الفخري س.م. آرثر”، حيث يستيقظ البطل ليجد نفسه ميتًا، لكن دون أن يبدو أن شيئًا قد تغيّر فعليًا بالنسبة له. يتحول آرثر إلى شبح تائه داخل فضاء الكلية التي يدرّس فيها، غير قادر على فهم قواعد العالم الجديد.
هذا المدخل الكافكاوي لا يهدف إلى الإضحاك فحسب، بل إلى تفكيك فكرة الموت نفسها: ماذا يعني أن نعبر إلى حالة أخرى دون أن نفهمها؟ هنا يصبح الموت امتدادًا للضياع الإنساني، لا نهايته.
تجربة انتقالية
تتردد في خلفية هذه القصص تجربة رشدي الشخصية مع العنف ومحاولة الاغتيال، التي تناولها بشكل أكثر صراحة في كتابه السابق “السكين” (2024)، لكنه يعيد صياغتها هنا عبر التخييل.
الموت في “الساعة الحادية عشرة” ليس حدثًا بيولوجيًا فحسب، بل حالة انتقال، أشبه بالعبور إلى عالم بلا دليل. ومن هذا المنطلق، تطرح القصص سؤالها المركزي:
كيف ينبغي للإنسان أن يواجه لحظاته الأخيرة؟
هل بالسكينة والتسليم، أم بالغضب والمقاومة؟
شخصيات رشدي لا تقدّم إجابة واحدة، بل تعيش الاحتمالين معًا: بعضها ينصت بهدوء لأصوات العصافير، وبعضها الآخر يتمرد على “انطفاء النور”، في تجسيد حيّ لتناقض التجربة الإنسانية.
بين العجائبي والواقعي
يحافظ سلمان رشدي هنا على أسلوبه المعروف في المزج بين الواقعي والعجائبي، حيث تنزلق الحياة اليومية تدريجيًا إلى غرائبية تكشف هشاشة ما نعدّه “حقيقة”.
الشخصيات تتحرك في عوالم مألوفة، لكنها سرعان ما تجد نفسها في وضعيات غير قابلة للتفسير، ما يعيد طرح السؤال الجوهري: هل الواقع ثابت، أم أنه مجرد بناء قابل للتفكك؟
السياسة بوصفها سردًا مضادًا للحقيقة
لا تنفصل هذه التأملات عن البعد السياسي، الذي يتجلى بوضوح في استحضار شخصية الملك الإسباني فرناندو السابع، الذي يظهر في إحدى القصص كحاكم يقوّض الدستور ويعيد تشكيل الحقيقة وفق أهوائه. وتحيط به جموع تصفق لما يسميه رشدي “الأكاذيب السافرة”، في تورية تستعير التاريخ لمقارعة ظاهرة معاصرة تتمثل في الترامبية وما يرافقها من شطط وتلاعب بالحقائق.
هنا يصبح الأدب أداة مقاومة، لا عبر المواجهة المباشرة، بل عبر كشف آليات التزييف بوصفها لازمة متجذرة في التجربة الإنسانية.
الأدب كفعل بقاء ومقاومة
في واحدة من أكثر قصص المجموعة شاعرية، يقدّم رشدي شخصية فتاة هندية تمتلك موهبة سحرية: موسيقاها قادرة على إسقاط إمبراطورية ملياردير بأكملها.
قد تبدو هذه الحكاية خيالية، لكنها تعبّر عن إيمان عميق بدور الفن كقوة مضادة للهيمنة. فبينما يعتمد الطغاة على القوة، يمتلك الفن قدرة خفية على التفكيك والتأثير.
من خلال هذه القصة يؤكد رشدي، مرة أخرى، إيمانه الراسخ بأن الفن يظل الخصم الأشد إزعاجًا للسلطة، لأنه لا يحتاج إلى أدوات مادية ليكون مؤثرًا.
وفي مفارقة لاذعة، يختصر هذه العلاقة بقوله: على المدى القصير قد ينتصر الطغاة، ولكن على المدى الطويل البقاء سيكون حتمًا للفن.
عمق فلسفي ودقة سردية
بهذا المزج بين العمق الفلسفي والدقة السردية، بين شخصيات مثل س.م. آرثر الشبح الحائر، وفرناندو السابع كرمز للاستبداد، والفتاة الهندية كصوت للفن المقاوم، تتشكل “الساعة الحادية عشرة” كعمل متعدد الأبعاد والطبقات.
هذه المجموعة القصصية ليست مجرد تأمل في الموت، بل أيضا في كيفية مواجهته. وهي، في الوقت نفسه، تأمل في ماهية الحقيقة والسلطة، وفي قدرة الأدب على أن يكون، حتى في أحلك اللحظات، مساحة أخيرة للحرية وإعادة تشكيل العالم.
















