مصر - عمرو فاروق
مصر - عمرو فاروق

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

من عبد المنعم رياض إلى إلغاء احتفالات أكتوبر.. كيف تعيد الأصولية الإسلامية تشكيل الذاكرة العربية؟

مصر - عمرو فاروق
مصر - عمرو فاروق

في 18 إبريل/نيسان الماضي، قررت السلطات المحلية في حِمص السورية تغيير اسم أحد شوارع المدينة من “شارع عبد المنعم رياض”، الفريق المصري الراحل، وأحد أبرز القادة العسكريين خلال حرب الاستنزاف، إلى “شارع 18 نيسان”؛ وهو ما أثار جدلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، باعتباره يمثل تحولاً جوهرياً في خطاب السلطات تجاه الرموز القومية والتاريخية.

لم يكن قرار إزالة اسم الفريق رياض معزولاً عن سياقه؛ فقد سبقه صدور قرارات من الإدارة التي يرأسها أحمد الشرع، تُلغى بموجبها الاحتفالات الرسمية بذكرى حرب 6 أكتوبر 1973، التي لطالما كانت عطلة وطنية في البلاد. وبحسب تقارير إعلامية، فإن هذه الخطوات تحمل أبعاداً أيديولوجية تتقاطع مع المرجعية الفكرية للجماعات الأصولية، وعلى رأسها “هيئة تحرير الشام” التي تشكل العمود الفقري للكوادر الفاعلة في المشهد السوري الحالي.

جذور الصدام مع الدولة الوطنية

تتجلى حالة العداء بين الجماعات الأصولية الراديكالية وانتصارات أكتوبر تاريخياً وعقائدياً في أجندتها الرامية إلى تفكيك مفردات الدولة الوطنية، وتبنيها قضية “أسلمة المجتمع”، التي نُفذت على مدار 100 عام تقريباً على يد جماعة “الإخوان المسلمين”، بوصفها المرجع والرافد الفكري لهذه المكونات. وقد تبنت غالبية هذه التيارات “السردية الإسرائيلية” حول الحرب، بأنها مجرد “نصر ناقص” أو معركة تعادلت فيها موازين القوى.

تأتي محاولة تعميم “سردية الهزيمة” في إطار استراتيجية استهداف الأجيال الجديدة، أو ما يعرف بـ “حروب الجيلين الرابع والخامس”، للتشكيك في الحقائق التاريخية والدور المشرف للمؤسسات العسكرية العربية. يهدف ذلك إلى مغازلة العقول الشبابية الغارقة في “البيئة التكنولوجية”، بغية تفكيك السردية الوطنية التاريخية وإحلال خطاب أممي أو أيديولوجي مكانها، تسقط معه بالتبعية “الرموز والقدوة الوطنية.

في هذا السياق، برزت طروحات المُنظرين القطبيين التي تشكك في حقيقة الانتصار، بالتركيز على ثغرة “الدفرسوار” باعتبارها نقطة تحول أثبتت، وفق زعمهم، هزيمة الجيش المصري، وهي الرؤية التي تتطابق بشكل غريب مع الدعاية الإسرائيلية في تلك الحقبة.

مذبحة الفنية العسكرية

عملياً، لم تتخطَّ المسافة الزمنية الفاصلة بين “مذبحة الفنية العسكرية” في 18 إبريل 1974، التي قادها الفلسطيني صالح سرية للانقلاب على حكم الرئيس السادات، وبين انتصارات أكتوبر سوى ستة أشهر فقط. هدفت تلك الخطة إلى السيطرة على الكلية الفنية واغتيال القيادة السياسية لإعلان “الدولة الإسلامية”، تحت رعاية فكرية من رموز إخوانية بارزة مثل زينب الغزالي.

هذا التحريض لم يتوقف حتى وصل ذروته في اغتيال الرئيس السادات عام 1981. وتؤكد شواهد تاريخية، منها شهادات لقيادات سابقة مثل وليد يوسف البرش، أن تنظيم الإخوان كان على علم مسبق بتفاصيل العملية وحرّض عليها.

اغتيال السادات 

كان الهضيبي المُخطط الأكبر في التحريض على اغتيال الرئيس السادات في الذكرى الثامنة لمعركة العبور عام 1981، وذلك على يد عناصر من الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد. من هنا، فإن تورط الإخوان المسلمين في دعم وتأييد قرار اغتيال السادات له الكثير من الشواهد القائمة على الإيمان العميق بالفكر التكفيري، وتوظيف القوة وتحريك مختلف الأطياف والفئات لتحقيق مآرب الجماعة ومشروعها في شكل مباشر أو غير مباشر.

كان الإخوان على علم مُسبق بكل تفاصيل عملية الاغتيال، وفقا لما ذكره القيادي السابق بالجماعة وليد يوسف البرش، بأن كرم زهدي الأمير، السابق للجماعة الإسلامية بمصر، أبلغهم نصاً، أن الإخوان كانوا يعلمون تفاصيل حادث الاغتيال وموعده، وأنهم حرَّضوا قيادات الحركة الإسلامية على قتل السادات والتخلص منه.

بل إن مصطفى مشهور مؤسس التنظيم الدولي، أصدر عدداً من مجلة “الطيور المهاجرة” في فيينا، وعلى غلافها صورة خالد الإسلامبولي، وقتلة السادات في القفص، وكتب تحتها: “أبناء الإخوان في سجون مصر”.

منير الغضبان

الدكتور منير الغضبان، أحد أهم مرجعيات الإخوان الفكرية في سوريا، تحدث بوضوح في كتابه “المنهج الحركي للسيرة النبوية”، عن تأييد قرار اغتيال الرئيس السادات، في صفحة 347: “زعماء الطاغوت اليوم، الذين أشعلوا الحرب على المسلمين، هؤلاء يُتقرّب إلى الله بدمائهم، وما فعله شباب الإسلام بالحاكم الذي تحدّى المسلمين في الأرض، فصالح عدوهم (اليهود) في يوم عيدهم، حين قتلوا هذا الطاغية إنّما غسلوا عار المسلمين جميعاً في أرض الكنانة، ونصروا الله تعالى ورسوله بالغيب”.

كتاب “المنهج الحركي للسيرة النبوية”، الذي يتم تدريسه في شكل موسع داخل الأسر والكتائب الإخوانية، يقول فيه منير الغضبان في صفحة 353: “لقد حقّق الاغتيال هدفه حين أحكمت خطته، ومهمتنا اليوم أن نتقن هذا الفنّ، ونحكمه، ولا بدّ من أن تكون عمليات الاغتيال هادفة، ومحققة لعنصر بثّ الرعب في صفوف المجرمين، وإنّ أقدر الناس على تنفيذ عملية الاغتيال أبعدهم عن الشكّ فيه”.

كراهية الأصوليين، وعلى رأسهم جماعة الإخوان المسلمين، لحرب أكتوبر دفعهم إلى تكريم ومشاركة قتلة الرئيس السادات في احتفالات 6 أكتوبر/تشرين الأول 2012، أثناء تصدرهم للمشهد السياسي في مصر، بل أصبح هذا الشهر أكثر شهور العام تزايداً في وتيرة العمليات الإرهابية التي شهدتها الدولة المصرية على مدار تاريخها، والأمثلة والشواهد كثيرة في هذا الصدد.

الجدير بالذكر، أن حالة الغضب التي انتابت الشارع المصري دفع الحكومة السورية إلى التراجع في قرارها بعدم رفع اسم الفريق عبد المنعم رياض من شوارع حمص، وذلك خلال زيارة أسعد الشيباني وزير الخارجية إلى القاهرة في بداية مايو الجاري، في رسالة توحي بالتقارب بين البلدين منذ صعود الرئيس الشرع للسلطة.