تعيدُ تركيا صياغة موقعها في النظام الدولي عبر مسار تحوّلي امتدّ على مدار عقدين من حكم “حزب العدالة والتنمية”، انتقلت خلاله البلاد من نموذج “تصفير المشكلات” إلى العسكرة النشطة، وصولاً إلى ما يمكن توصيفه اليوم بـ”البراغماتية النفعية”. هذه التحولات لم تكن انعكاسات ظرفية بقدر ما شكّلت حصيلة تفاعل معقّد بين الأيديولوجيا وطموحات القيادة وقيود الجغرافيا السياسية.
لم يعد من الممكن قراءة السياسة الخارجية التركية من خلال النظارات الأيديولوجية التي ميزت العقد الماضي. فالدولة التي قدمت نفسها يوماً كـ “حاضنة” لمشاريع التغيير في المنطقة، تمر اليوم بمرحلة إعادة هيكلة جذرية لعقيدتها الجيوسياسية، منتقلةً من “الرومانسية العثمانية الجديدة” إلى “البراغماتية النفعية الباردة”. هذا التحول ليس تراجعاً، بقدر ما هو نضج استراتيجي فرضته التحولات الهيكلية في النظام الدولي، وتآكل الرهانات القديمة على تيارات الإسلام السياسي التي لم تعد تخدم المصالح القومية العليا لأنقرة.
رؤية أردوغان والإرث العثماني والإسلامي
في البدايات، سعت رؤية رجب طيب أردوغان إلى إعادة وصل الجمهورية بإرثها العثماني والإسلامي، من دون الانفصال عن الغرب. تأثر هذا التوجه بأفكار نجم الدين أربكان حول الاستقلال الصناعي والاكتفاء الذاتي، وبالطرح الثقافي لـ نجيب فاضل كيساكورك، الذي صوّر المجتمع التركي كساحة صراع بين نخبة مُتغربة وقاعدة شعبية محافظة.
تبلورت هذه الرؤية نظرياً عبر أحمد داود أوغلو من خلال مفهوم “العمق الاستراتيجي”، الذي افترض أن الموقع الجغرافي والتاريخي يمنح تركيا فرصة التحول إلى قوة محورية تمتد أدوارها من الشرق الأوسط إلى البلقان والقوقاز وآسيا الوسطى. في تلك المرحلة، برزت أنقرة كقوة ناعمة تعتمد الاقتصاد والانفتاح والدبلوماسية، مع الحفاظ على موقعها داخل حلف شمال الأطلسي وعلاقاتها مع أوروبا.
الربيع العربي: لحظة التحول والانكشاف
شكّل الربيع العربي اختباراً حاسماً لهذه الرؤية، إذ رأت أنقرة في صعود الإخوان المسلمين فرصة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي عبر قوى متقاربة معها سياسياً. دعمت هذا التوجه في مصر خلال فترة محمد مرسي، كما تفاعلت مع تجارب مماثلة في تونس وانخرطت في الملف سوريا ضمن سياق بالغ التعقيد.
غير أن هذا الرهان لم يحقق نتائجه المرجوة، بل أدّى إلى توترات مع قوى إقليمية مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة، وأسهم في تراجع النفوذ التركي. لم تكن الأيديولوجيا وحدها سبب الإخفاق، بل تداخلت معها حسابات إقليمية ودولية مُعقدة قلّصت هامش المناورة.
مثّلت محاولة الانقلاب العام 2016 نقطة تحوّل مفصلية، إذ أعادت الدولة التركية ترتيب أولوياتها ودمجت “أمن النظام” ضمن مفهوم موسّع للأمن القومي. في هذا السياق، تعزز التحالف مع التيار القومي، وبرزت سردية “التطويق” من قبل خصوم خارجيين، سواء عبر الدعم الأمريكي لوحدات كردية في سوريا أو عبر التوتر مع اليونان وقبرص في شرق المتوسط.
ومن هنا، اكتسبت عقيدة “الوطن الأزرق” (Mavi Vatan) زخماً سياسياً، باعتبارها إطاراً لإعادة توجيه الاهتمام نحو المجال البحري وفرض السيادة في مناطق النزاع. لم يعد الهدف تصدير نموذج سياسي، بل حماية المصالح وفرض الوقائع.
بين العسكرة الذكية والبراغماتية النفعية
ترافقت هذه التحولات مع صعود الصناعات الدفاعية، خصوصاً عبر شركة بايكار بقيادة سلجوق بيرقدار. ولعبت الطائرات المُسيّرة دوراً محورياً في إعادة تشكيل موازين القوى، كما في ناغورنو كاراباخ، ومنحت أنقرة أداة نفوذ فعالة منخفضة الكلفة. في الوقت نفسه، برز صناع قرار جدد مثل هاكان فيدان وإبراهيم كالن، الذين قادوا انتقالاً نحو إدارة أكثر براغماتية للسياسة الخارجية، توازن بين الهوية والمصلحة.
مع تصاعد التحديات الاقتصادية والسياسية، دخلت تركيا مرحلة “إعادة ضبط” لعلاقاتها. انتهجت سياسة تقوم على تعظيم المكاسب عبر التوازن بين المعسكرات، من دون الانخراط الكامل في أي منها، فهي عضو في حلف شمال الأطلسي وتدعم أوكرانيا، لكنها في الوقت ذاته تحافظ على علاقات وثيقة مع روسيا وترفض الانضمام إلى العقوبات الغربية ضدها. كما سعت للتقارب مع تكتلات مثل “بريكس”، في إطار سعيها للتموضع داخل نظام متعدد الأقطاب.
إقليمياً، أعادت أنقرة تطبيع علاقاتها مع خصوم سابقين، معتمدة مقاربة تقوم على المصالح الاقتصادية وتخفيف التوترات.
ضمن هذا المسار، تراجع الدور المركزي لتيارات مثل الإخوان المسلمين في صياغة القرار الخارجي. لم تعد هذه التيارات محركاً رئيسياً، بل أصبحت جزءاً من أدوات السياسة التي تُستخدم عند الحاجة. يعكس ذلك انتقالاً واضحاً من منطق الاصطفاف الأيديولوجي إلى إدارة التوازنات.
قوة موازنة في عالم متغير
تعكس العقيدة الجيوسياسية التركية اليوم انتقالاً من الطموح الحضاري إلى الواقعية النفعية. لم تعد أنقرة تسعى لإعادة تشكيل الإقليم وفق نموذجها، بل لتأمين موقع متقدم داخل نظام دولي متحوّل.
بين إرث أحمد داود أوغلو وواقعية الجيل الجديد من صناع القرار، تبرز تركيا كقوة موازنة تجمع بين الاستقلالية والانخراط. قوتها الحقيقية لا تكمن في الانحياز لمعسكر بعينه، بل في قدرتها على جعل موقعها الجغرافي وأدواتها السياسية والعسكرية عنصراً حاسماً في معادلات الشرق الأوسط وأوراسيا وحوض المتوسط.
الاتجاه القادم يشير إلى ترسيخ مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي”. تركيا لن تعود إلى دور “التابع” للغرب، ولن ترتمي بالكامل في أحضان الشرق. ستستمر في تعزيز حضورها العسكري الذكي وتحويل نفوذها في ليبيا والقوقاز وإفريقيا إلى مكاسب اقتصادية ملموسة.
التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة هذا “التوازن الهش” على الصمود أمام استقطابات دولية حادة (أمريكا – الصين – روسيا)؛ ففي عالم متعدد الأقطاب، قد يكون الحياد النشط مكلفاً بقدر ما هو مربح، لكن الأكيد أن “الأيديولوجيا” قد خرجت نهائياً من حقيبة الدبلوماسية التركية، وحلّت محلها لغة الأرقام والمصالح الجيوسياسية الصرفة.















