سلّط الهجوم الذي شنه تنظيم “داعش” في إفريقيا على أحد أكبر مناجم الماس والياقوت في العالم في موزمبيق، الضوء على التحول المتسارع في استراتيجيات الجماعات الإرهابية في القارة السمراء، من الاعتماد التقليدي على التهريب والخطف والجباية، إلى السعي للسيطرة المباشرة على الثروات المعدنية ومواقع التعدين ذات العائدات الضخمة.
استهدف الهجوم منجم “إم آر إم” في قرية ناكوجا شمال موزمبيق، وهو من أكبر مناجم الماس والياقوت والأحجار الكريمة في العالم، وتديره شركة Gemfields البريطانية، التي اضطرت إلى إخلاء الموقع وتعليق الأنشطة عقب تصاعد التهديدات الأمنية.
موجة عمليات متصاعدة
يأتي الهجوم ضمن موجة متصاعدة من العمليات التي تنفذها جماعات مرتبطة بـ”داعش” والقاعدة وبوكو حرام في مناطق غنية بالذهب والماس والمعادن النادرة في غرب ووسط وجنوب شرق إفريقيا، في إطار مساعٍ لبناء اقتصاد موازٍ يمول العمليات المسلحة ويوفر مصادر نفوذ طويلة الأمد.
بحسب تقديرات فريق التقييم الأمريكي المشترك لمكافحة الإرهاب، فإن الجماعات المسلحة تسعى للاستفادة من عائدات التعدين غير القانوني في إفريقيا، والتي تُقدّر بنحو 48 مليار دولار سنويًا. كما أشار تقرير صادر عن منتدى الدفاع الإفريقي إلى تزايد استهداف الجماعات الإرهابية لمناجم الذهب والمعادن الثمينة بوصفها أحد أهم مصادر التمويل الجديدة.
ومنذ بداية عام 2025، تحولت مناجم الذهب التقليدية ومواقع استخراج الماس في الساحل ووسط إفريقيا إلى أهداف متكررة للجماعات المتشددة، التي باتت تدرك أن السيطرة على الموارد الطبيعية تمنحها أكثر من مجرد المال، إذ تتيح لها فرض النفوذ على المجتمعات المحلية، وتوفير فرص التجنيد، وتأمين خطوط الإمداد، وحتى الحصول على المواد المتفجرة المستخدمة في التعدين.
الساحل.. الذهب في قلب المعركة
في منطقة الساحل، تواصل جماعات مثل “داعش” و”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” و”بوكو حرام” توسيع حضورها قرب مناطق التعدين، خصوصًا في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
في مالي، كثّفت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” خلال الأشهر الأخيرة هجماتها على منطقة “كايس” الغنية بالذهب قرب الحدود مع السنغال وموريتانيا، وهي منطقة تمثل شريانًا اقتصاديًا حيويًا للبلاد، إذ تنتج نحو 80% من الذهب المالي، الذي يُعد المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية.
كما أن عددًا كبيرًا من الهجمات الإرهابية في بوركينا فاسو وقع بالقرب من مناطق التعدين الحرفي، في مؤشر على الترابط بين النشاط المسلح والاقتصاد غير القانوني المرتبط بالذهب.
يرى دانيال إيزينغا، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية الإفريقية، أن هذه الهجمات تعكس “استراتيجية اقتصادية واضحة” تهدف إلى عزل المناطق ذات القيمة الاقتصادية الكبرى وإضعاف الدولة ماليًا.
وأظهرت دراسة حديثة للأمم المتحدة أن نحو 87% من الذهب المنتج في مالي، والمقدّرة قيمته بنحو 6.3 مليار دولار، يُهرّب خارج البلاد، بما يعادل قرابة ثلث الناتج المحلي الإجمالي. ويتم تهريب جزء كبير من هذا الذهب عبر دول مجاورة مثل توغو، أو عبر رحلات جوية مباشرة تنقل الذهب داخل حقائب المسافرين العادية.
الكونغو وموزمبيق.. من التمرد إلى اقتصاد الحرب
في جمهورية الكونغو الديمقراطية، باتت السيطرة على المناجم جزءًا أساسيًا من اقتصاد الجماعات المسلحة. وشكّلت الهجمات التي نفذتها مجموعات مرتبطة بـ”داعش” وحركة “23 مارس” خلال الأشهر الماضية نموذجًا صارخًا لهذا التحول.
في مارس الماضي، كثّفت الجماعات المسلحة عمليات اقتحام مواقع التعدين وفرض الضرائب على العاملين فيها، إلى جانب السيطرة على الإنتاج المحلي للذهب والقصدير. كما استهدف تنظيم “داعش” مواقع تعدين في مقاطعتي إيتوري وشمال كيفو.
وفي أبريل، شن التنظيم هجومًا داميًا على منجم “موتشاتشا”، أحد أكبر مناجم الذهب في الكونغو، ما أسفر عن مقتل جنود كونغوليين و17 مدنيًا على الأقل، إضافة إلى اختطاف أكثر من 100 شخص.
كما تشير تقارير إلى أن متمردي “حركة 23 مارس” يجنون نحو 800 ألف دولار شهريًا من سيطرتهم على منطقة روبايا التعدينية في شمال كيفو، بينما تذهب نسبة كبيرة من عائدات تهريب الذهب والقصدير لتمويل الجماعات المسلحة.
أما في موزمبيق، فقد وسّع تنظيم “داعش” أنشطته التمويلية في إقليم كابو ديلغادو عبر السيطرة على التعدين الحرفي وعمليات الابتزاز والخطف مقابل الفدية، وفق بيانات منصة ACLED المتخصصة في رصد النزاعات.
وتضاعفت عمليات الخطف التي نفذها التنظيم أربع مرات خلال عام 2025، لتشكّل نحو 10% من مجمل أنشطته، بحسب تقديرات باحثين محليين.
قال إميليو زيكا، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في موزمبيق، إن التنظيم يعتمد على “شبكات تمويل عابرة للحدود” تربطه بأذرع في أوغندا والكونغو الديمقراطية وجنوب إفريقيا.
نيجيريا.. التعدين غير القانوني وتمويل الإرهاب
في نيجيريا، أثارت تقارير تتحدث عن ارتباط شركات تعدين صينية غير قانونية بتمويل جماعة بوكو حرام جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والأمنية.
ووصفت اللجنة المعنية بمكافحة التعدين غير القانوني في الجمعية الوطنية النيجيرية الظاهرة بأنها “آفة تقوّض الأمن الوطني”، مشيرة إلى أن عائدات التعدين غير القانوني، التي تصل إلى نحو 9 مليارات دولار، تُستخدم جزئيًا في تمويل جماعات مسلحة.
كما سلّط مشروع قانون معروض على الكونغرس الأمريكي الضوء على هذه القضية، حيث اتهم خمسة مشرعين جمهوريين بعض الشركات الصينية بدفع أموال لجماعات إرهابية مقابل توفير الحماية لمواقع التعدين في نيجيريا.
وجاءت هذه الاتهامات بعد تقرير نشرته صحيفة The Times البريطانية، تحدث عن تمويل شركات تعدين صينية لجماعات مسلحة للوصول إلى الاحتياطيات المعدنية النيجيرية.
في يناير 2025، اتهم السيناتور النيجيري آدمز أوشيومول، بعض ضباط الجيش المتقاعدين بالتورط مع جهات أجنبية في عمليات تعدين ذهب غير قانونية وتزويد جماعات مسلحة بالأسلحة.
سيطرة مزدوجة
وفقًا لدراسة أجرتها المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، فإن الجماعات الإرهابية لم تعد تنظر إلى التعدين بوصفه مجرد مصدر دخل، بل باعتباره أداة لبناء “الشرعية المحلية” وفرض السيطرة على المجتمعات المهمشة. وقالت المبادرة إن العنف بات يتحول إلى “جزء من منظومة اقتصادية معقدة تهدف لتحقيق الأرباح والسلطة والنفوذ”.
وفي مناطق كثيرة من الساحل وإفريقيا الوسطى، تقع المناجم خارج سيطرة الحكومات المركزية، ما يجعلها بيئة مثالية لتحول الجماعات المسلحة إلى سلطات أمر واقع تدير الاقتصاد المحلي بالقوة. وغالبًا ما تُجبر هذه الجماعات السكان المحليين على العمل في التعدين تحت التهديد، بينما تؤدي أنشطة التعدين العشوائي وغير القانوني إلى تدمير الغابات وتلويث الأنهار، وفق تقارير أممية.
يرى مراقبون أن التحول نحو السيطرة على المناجم والثروات الطبيعية يمثل تطورًا خطيرًا في طبيعة الجماعات الإرهابية في إفريقيا، إذ لم تعد مجرد تنظيمات تعتمد على الهجمات المتفرقة، بل باتت تتحول تدريجيًا إلى كيانات تمتلك اقتصاد حرب متكاملًا، قادرًا على تمويل العمليات المسلحة وإدامة الصراع لسنوات طويلة.
اقتصاد الحرب
لم تعد الجماعات الإرهابية في إفريقيا تكتفي بالهجمات التقليدية أو شبكات التهريب المحدودة، بل تتجه تدريجياً نحو بناء اقتصاد حرب قائم على السيطرة المباشرة على الثروات الطبيعية والمناجم الاستراتيجية. ومع اتساع هذا التحول، تبدو المعركة في القارة السمراء أقل ارتباطاً بالإيديولوجيا وحدها، وأكثر التصاقاً بصراع النفوذ والموارد والقدرة على تمويل الحروب طويلة الأمد.















