تمثل عمليةُ التشويه التي تطال المنشقين عن جماعة الإخوان المسلمين، والطعن في إيمانهم، أو التشفي في رحيلهم، جزءاً أصيلاً من المرجعية الفكرية والحركية للجماعة. برز ذلك جلياً مؤخراً مع وفاة القيادي السابق مختار نوح، الذي أسقط النقاب عن أسرار أُخفيت لعشرات السنين داخل سراديب وأروقة التنظيم.
لم يكن مختار نوح مجرد قيادي عادي، لكنه سياسي ومفكر تمكن من توثيق التاريخ المسلح للجماعة عبر موسوعته الحركية “موسوعة العنف المسلح.. 50 عاماً من الدم” التي ضمت المئات من الوثائق الخاصة وتحقيقات نيابة أمن الدولة العليا حول غالبية الجرائم التي اشترك فيها الإخوان أو حرضوا عليها عبر تاريخهم المعاصر.
محاكمات “شرعية” خارج القانون
تاريخ محاكمات المنشقين عن جماعة الإخوان، لا يحمل مبالغة إن وُصف بأنه محاكمات عسكرية، لا تستمد سلطتها وشرعيتها من قانون دستوري مدني يمكن الاعتراض على مدى تطبيقه والطعن على أحكامه، لكنها محاكمات صُبغت بالغلاف الشرعي، وتحولت إلى ساحة لإخراج المنشقين من الملة والعقيدة، في إطار ترجمة حقيقية لفكرة “الاستحقاق”، والاستعلاء الإيماني، وتوزيع “صكوك الغفران” على من شاءوا.
إشكالية الإخوان مع مخالفيهم والمنشقين عنهم، أنهم اتسقوا وتوحدوا مع فكرة “ذاتية الدين”، واحتكار الحديث عن الله، فمن ينتقدهم كأنما ينتقد الدين، وليس انتقادًا لسلوكياتهم وانحرافاتهم الفكرية، وهذه الذاتية مبنية على “جاهلية المجتمع”، التي صاغها سيد قطب.
وقائع الصراع بين المنشقين وقيادات الجماعة كثيرة ومُلئت بها صحف الجرائد المصرية، من أبرزها واقعة انشقاق محمد حبيب – نائب مرشد الجماعة – ومجموعة الإسكندرية أمثال خالد داوود وإبراهيم الزعفراني وحامد الدفراوي، وعبد الستار المليجي، عضو مجلس شورى التنظيم، بسبب المخالفات التي شهدتها انتخابات مكتب الإرشاد والمكاتب الداخلية عام 2009، ووصفوها حينها بأنها مزورة وصُممت لتصعيد شخصيات محددة.
تشويه صورة المنشقين تمثل الأداة الأكثر توظيفاً من قبل الجماعة في النيل من خصومها ومناهضيها، ووصفهم بالمتمردين الفوضويين المنقلبين، والمتساقطين في الفتنة، والتي كرس لها فتحي يكن في كتابه “المتساقطون على طريق الدعوة- كيف… ولماذا؟”، لينتهي به المطاف منشقاً ومتساقطاً على طريق الإخوان، واختتامها بكتاب “ليت قومي يعلمون”، أبرأ فيه ذمته من التنظيم.
التيار البديل
كما سبقها واقعة انشقاق مجموعة “التيار البديل” عام 2008، التي تمردت على المشروع الفكري والحركي للجماعة، وقدمت نفسها في إطار مشروع فكري بديل، من خلال وثيقة رسمية نُشرت تحت عنوان “التيار البديل”، وتزعمهم الدكتور علي عبد الحفيظ، عضو هيئة التدريس بجامعة أسيوط.
كذلك انشقاق مجموعة الـ17 التي قدمت استقالتها إلى مرشد الجماعة عبر إحدى الصحف المصرية في أوائل 2007، اعتراضًا على ما وصلت إليه الحالة الأخلاقية داخل الجماعة من تدنٍ، فضلًا عن تعمد تشويه سمعة المخالفين مع قيادات الجماعة والمنشقين عنها، وقطع العلاقات معهم نهائياً، خاصة في ظل العلاقات الأسرية في بعض الحالات، بل وتهديدهم في حالات أخرى.
حزب الوسط
في إطار ذلك، لا يمكن تجاهل واقعة انشقاق مجموعة “حزب الوسط” التي شملت عدداً كبيراً من قيادات الصف الثاني والثالث، التي تزعمها أبو العلا ماضي، وثروت الخرباوي، ثم تبعهم انشقاق القيادي مختار نوح بعد خلاف شهير مع محمد طوسون وسيف الإسلام، نجل حسن البنا، حول إدارة ملف النقابات المهنية داخل الجماعة، فضلًا عن انشقاق حسين السعيد، مسؤول بورسعيد داخل الجماعة عام 2003، والذي نشر استقالته عبر صفحات صحيفة “صوت الأمة”، وقال في متنها إن الجماعة مليئة بالخطوط السوداء والدوائر الحمراء والقرارات الفردية.
وفي نهاية عام 2003، انشقت مجموعة من قيادات قطاع العمل الطلابي داخل الجامعات، ووصل عددهم لما يزيد على 24 قياديًا، وجهوا انتقادات حادة للجماعة في نظامها الإداري والتربوي، وضربوا بقواعدها عرض الحائط، كاشفين عن أن الجماعة حادت عن المسار السليم، وتتبنى توجهات خارجية لا تتفق مع أجندة الدولة المصرية.
جماعة شباب محمد
لم تكن الانشقاقات السابقة الأولى من نوعها، فالمتابع والمحلل لشؤون تيارات الإسلام الحركي المعاصر يجد أن المجموعة الصغيرة التي قامت عليها نواة الجماعة اختلفت مع حسن البنا على طريقة إدارته للملفات الداخلية، واستحواذه على مقاليد السلطة، فقررت الانشقاق عن الإطار التنظيمي، وشكلت جماعة “شباب محمد”، التي أُطلق عليها في متن مذكرات كبار قيادات الجماعة “الفتنة الأولى”.
وبعدها انشق وكيل الجماعة وأحد المؤسسين أحمد السكري، بسبب الخلاف حول إدارة الجماعة مع البنا، وفي 27 نوفمبر 1947 عقدت الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان اجتماعها الدوري، وأقرت القرار رقم (5) الذي يقضي بالموافقة التامة على قرار حسن البنا بإعفاء أحمد السكري وعبد السميع الغنيمي، وسالم غيث من عضوية الجماعة وتقديم استقالتهم.
وأشار السكري في خطاب استقالته الذي نُشر بالصحف في أكتوبر 1947، موجهًا نقدًا للبنا وسياسته، قائلًا: “يعز عليَّ أن أضطر للرد عليك بسبب تمسكك بموقفك ورفضك اتباع الخطى المثلى التي تصلح ذات بيننا، إما أنك تستبد وحدك بالأمر وتنتزع ممن حضر من إخوان الهيئة التأسيسية تفويضًا بإقصاء من تشاء وفصل من تشاء هرباً من التحكيم وفراراً من مواجهة الموقف ودون تمكين من تتهمه أو يتهمك من إبداء رأيه والدفاع عن نفسه، فإن هذه ديكتاتورية يأباها الإسلام، وتأباها الشرائع والقوانين، وتتنافى مع المنطق والحق”، وإن قلت إن مبايعة الإخوان لك تقتضيك التصرف الفردي في شؤون الدعوة، فإن الحق يرد عليك في ذلك بأن البيعة هي في حدود ما أنزل الله، لا في تحكيم الهوى والخروج على المبادئ”.
الفتنة الأولى وانشقاقات النساء
قائمة المنشقين عن الجماعة شملت عددًا من كبار المفكرين قرروا الخروج من بين جدران التنظيم، وعدم الانصياع لقرارات السمع والطاعة العمياء، ورفض التعايش مع انحرافاته الفكرية، أمثال أنيس منصور، ونصر حامد أبو زيد، وصلاح عيسى، وأحمد كمال أبو المجد، فضلاً عن الشيخ حسن الباقوري، والشيخ محمد الغزالي، والشيخ سيد سابق، والشيخ الشعراوي، وعلي عشماوي، أحد قيادات التنظيم الخاص الذي فضح خبايا الجماعة في مذكراته التي صدرت بعنوان “التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين”.
وقائع الانشقاقات لم تتوقف على العناصر الذكورية فقط، لكنها ضمت عددًا من النساء اللاتي واجهن عنف التنظيم ورجاله، أمثال سارة محمد علي، وانتصار عبد المنعم، ولمياء قريطم، وعزة عفيفي، وحنان حجازي، وناهد إمام، واللاتي كشفن عنها في مذكراتهن الخاصة، والتي ستناولها بالتفاصيل في الحلقة المقبلة.















