لم يعد دعم باماكو الرسمي لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء (إبريل 2026) مُجرد مقايضة دبلوماسية عابرة، بل بات يُمثل تحولاً جوهرياً في “عقيدة الحل” لدى السلطة الانتقالية في مالي. هذا التبني يمنح شرعية سياسية لمبدأ “التفويض المحلي تحت سيادة الدولة”، وهو المسار الذي يبدو المخرج الوحيد المُتبقي لإنهاء الصراع الاستنزافي في “أزواد” بعد انهيار “اتفاق الجزائر” وفشل المقاربة العسكرية الصرفة.
أعلنت مالي بوضوح أن المقترح المغربي هو “الأساس الوحيد والجاد” لتسوية نزاع الصحراء. هذا الموقف لا يعيد صياغة التحالفات الإقليمية فحسب، بل يضع باماكو أمام استحقاق داخلي؛ فمنح الشرعية للحكم الذاتي في الجوار يُمهد الطريق لتطبيقه كصيغة تقنية وسياسية في الشمال المالي، لقطع الطريق أمام الحركات الانفصالية والجماعات المتطرفة على حد سواء.
انكسار طموح الحسم العسكري
تأتي هذه الاستدارة نتيجة اصطدام السلطة العسكرية في باماكو بحائط مسدود. فمنذ إنهاء اتفاق الجزائر في يناير 2024، لم ينجح “المسار الوطني البديل” في تأمين الشمال. بل على العكس، كشف حصار الوقود الذي فرضته جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” في نوفمبر 2025 عن هشاشة السيطرة المركزية، مع تهديدات لا تبعد أكثر من 50 كم عن العاصمة.
هذا الانكشاف الأمني فرض على باماكو البحث عن “شريك ثقيل” يُوفر غطاءً سياسياً لتراجعات تكتيكية ضرورية تحت مسمى “التسوية السياسية”. وأن أي سلطة تبحث عن إنقاذ الدولة لا عن إطالة الحرب ستضطر إلى العودة إلى السياسة، ولكن عبر راعٍ جديد لا يحمل إرث الوساطات المنهارة.
المغرب.. شريك استراتيجي وقناة تواصل
تبرز الرباط هنا كلاعب يتجاوز دور “الوسيط التقليدي” إلى “الشريك الهيكلي”. فالعلاقة بين الرباط ودول الساحل الثلاث لم تعد علاقة مُجاملة، بل تأسست على مصالح استراتيجية مباشرة، أبرزها مبادرة فتح منفذ لدول مالي والنيجر وبوركينا فاسو إلى التجارة العالمية عبر الموانئ الأطلسية المغربية، وهي مبادرة أيدها وزراء خارجية الدول الثلاث خلال اجتماعهم مع الملك محمد السادس بالرباط في إبريل/نيسان 2025.
مثل هذا المسار الاقتصادي لا يمكن أن ينجح من دون استقرار أمني وسياسي في شمال مالي، ما يجعل التسوية في أزواد، من منظور استراتيجي، جزءاً من حماية مشروع الربط الأطلسي نفسه. كما أن المغرب ليس بعيداً عن الفاعلين الأزواديين؛ ففي يناير/كانون الثاني 2014، استقبل العاهل المغربي زعيم الحركة الوطنية لتحرير “أزواد” بلال آغ الشريف، وشجعه، بمباركة من الرئيس المالي آنذاك إبراهيم بوبكر كيتا، على العودة إلى طاولة الحوار مع باماكو. هذا السِّجل يمنح الرباط ما تفتقده أطراف أخرى: شراكة مع الدولة، وقناة سابقة مع الحركات الأزوادية، وقدرة على مخاطبة الملف بمنطق التسوية لا بمنطق القطيعة.
نحو تسوية “السيادة المرنة”
لا يرى المحللون الأزواديون في هذا المسار تنازلاً عن وحدة مالي، بل العكس، وسيلة عملية لحماية البلاد. فالوثائق المرجعية للجزائر كانت قد دفعت أصلاً نحو حل يأخذ في الحسبان المطالب المشروعة لسكان شمال مالي “أزواد”، مع الاحترام الكامل للسلامة الترابية والوحدة الوطنية والطابع الجمهوري للدولة المالية، كما جعلت من التنظيم الإداري والسياسي للشمال، ومن مكافحة الإرهاب، محورين متلازمين في أي حل نهائي.
من هذه الزاوية، فإن صيغة حكم محلي موسع أو حد أدنى من الحكم الذاتي لم تعد، في نظر أصحاب هذا الطرح، امتيازاً للأزواديين بقدر ما صارت ضرورة للدولة المالية نفسها. تسوية توقف استنزاف الشمال، وتعيد إدماج القوى المحلية في معادلة الأمن، وتوحد الجهد ضد الجماعات الجهادية التي تتغذى على الفراغ والقطيعة.
جيوسياسية الموانئ مقابل الحكم الذاتي
إن تقارب باماكو والرباط لا يفتح فقط باب اصطفاف إقليمي جديد، بل يُمهد الطريق، للمرة الأولى منذ انهيار اتفاق الجزائر، أمام تسوية قابلة للحياة في “أزواد”. تسويةٌ تحفظ لمالي وحدتها، وتمنح الشمال ما يكفي من الشراكة كي لا يبقى رهين السلاح.
يكمن العمق الحقيقي في هذا التقارب في مقايضة الأمن بالارتباط. باماكو تدرك أن خروجها من العزلة الدولية يمر عبر البوابة الأطلسية المغربية، والرباط تعي تماماً أن مفتاح هذه البوابة يقع في تضاريس أزواد. لذا، فإن “الحكم الذاتي” المقترح ليس مجرد حل قانوني، بل هو “صفقة استقرار” تضمن للمغرب نجاح مشروعه القارّي، ولمالي بقاء الدولة ولو بسيادة مجزأة إدارياً، وتضمن للأزواديين اعترافاً بخصوصيتهم بعيداً عن ملاحقات “فاغنر” أو هيمنة “القاعدة”.















