جمع حزب الإصلاح البريطاني بزعامة نايجل فاراج سلسلة تبرعات جديدة عززت موقعه واحداً من أبرز الفاعلين السياسيين في البلاد، بعدما حصد 9 ملايين و300 ألف جنيه إسترليني خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، منها أكثر من 7 ملايين جنيه من مستثمرين بارزين في قطاع العملات المشفرة، في وقت يتصدر فيه الحزب الشعبوي استطلاعات الرأي بصفته الأوفر حظاً لقيادة الحكومة البريطانية بعد الانتخابات المقبلة.
جاء الجزء الأكبر من هذه التبرعات من رائدي الأعمال في قطاع “الكريبتو”، كريستوفر هاربورن وبن ديلو، ما أعاد إلى الواجهة النقاش المتصاعد بشأن حدود تأثير رؤوس الأموال الخاصة، ولا سيما المرتبطة بالعملات المشفرة، على العملية السياسية ومفاصل صنع القرار، على غرار ما حدث في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.
العمال يقيدون التمويل السياسي
تدفق الجزء الأكبر من هذه التبرعات إلى خزانة حزب الإصلاح قبل أن تمضي حكومة “العمال” في إجراءات تستهدف تشديد قواعد التمويل السياسي، بما في ذلك حظر التبرعات المقدمة بالعملات المشفرة، ووضع سقف للتبرعات السياسية التي يقدمها المواطنون البريطانيون المقيمون خارج البلاد عند 100 ألف جنيه إسترليني.
وفي جلسة استجواب رئيس الوزراء في البرلمان، أكد كير ستارمر أن حكومته ستفعل “كل ما هو ضروري” لحماية الديمقراطية البريطانية من النفوذ الأجنبي والأموال المشبوهة، في إشارة مباشرة إلى الجدل الدائر حول مصادر تمويل بعض الأحزاب السياسية.
يعكس هذا التوجه تحولاً أوسع تشهده الديمقراطيات الغربية، حيث تتزايد المخاوف من قدرة الثروات المتولدة من قطاعات التكنولوجيا والأصول الرقمية على ممارسة نفوذ سياسي يفوق الأطر التقليدية للتمويل الحزبي.
الاستعداد لمعركة 2029
تمنح هذه التبرعات “الإصلاح البريطاني” موارد مالية متنامية استعداداً للانتخابات العامة المزمع إجراؤها بحلول منتصف عام 2029 على أقصى تقدير. وتضاف الحصيلة الجديدة إلى نحو 5.5 ملايين جنيه جمعها الحزب خلال الربع الأخير من عام 2025، ما يعني أنه استقطب نحو 15 مليون جنيه خلال ستة أشهر فقط.
ورغم أن هذه الأرقام لا تزال متواضعة مقارنة بمليارات الدولارات التي تُنفق في الحملات الانتخابية الأمريكية، فإنها تعد استثنائية بالمعايير البريطانية، حيث تتسم الحملات الانتخابية بقصر مدتها وانخفاض تكاليفها نسبياً مقارنة بالولايات المتحدة.
مع ذلك، قد يُسهم هذا التدفق المالي في إعادة تشكيل المشهد السياسي البريطاني عبر تمكين الأحزاب الصاعدة من بناء هياكل تنظيمية أكثر احترافية ومنافسة الحزبين التقليديين، المحافظين والعمال، على نطاق أوسع.
فاراج بين الصعود السياسي والتحقيقات
يأتي الزخم المالي في وقت يواصل فيه فاراج تعزيز حضوره السياسي بعد المكاسب التي حققها حزبه في الانتخابات المحلية الأخيرة في إنجلترا، إضافة إلى تقدمه في برلمان اسكتلندا وويلز.
لكن هذا الصعود يتزامن مع ضغوط متزايدة على زعيم الحزب، الذي يواجه تحقيقاً يتعلق بحصوله شخصياً على نحو 5 ملايين جنيه إسترليني من هاربورن نفسه قبل الانتخابات العامة لعام 2024.
وفي حال ثبتت إدانته، فربما تُعلق عضوية فاراج في مجلس العموم البريطاني. وإذا تجاوز التعليق عشرة أيام، فقد يؤدي ذلك إلى تقديم التماس لسحب الثقة منه، يلي ذلك إجراء انتخابات فرعية في دائرته الانتخابية في كلاكتون.
بالطبع، استغل ستارمر القضية لتكثيف هجومه السياسي على فاراج، متسائلاً عن أسباب عدم الكشف المبكر عن تلك الأموال، في حين يؤكد “حزب الإصلاح البريطاني” أن المبلغ كان هدية شخصية لا تخضع لقواعد الإفصاح الخاصة بالتبرعات السياسية.
التشفير في قلب السياسة البريطانية
يُعد رجل الأعمال كريستوفر هاربورن أبرز ممولي حزب الإصلاح، بعدما قدم خلال النصف الثاني من العام الماضي تبرعات بلغت 12 مليون جنيه إسترليني، بينها 9 ملايين جنيه في ربع واحد، وهو رقم قياسي لمنحة سياسية من شخص على قيد الحياة في بريطانيا.
أما بن ديلو، المؤسس المشارك لمنصة تداول المشتقات المشفرة “بيت مكس” BitMEX، والمقيم حالياً في هونغ كونغ، فقد أعلن دعمه للحزب في وقت سابق من العام، معتبراً أن النخب السياسية التقليدية تمثل العقبة الأكبر أمام تعافي بريطانيا.
وتكتسب مساهمات ديلو، الذي ينوي العودة إلى بريطانيا للحفاظ على قدرته القانونية على مواصلة الدعم المالي، حساسية خاصة في ضوء إدانته السابقة في الولايات المتحدة، إلى جانب مؤسسين آخرين للشركة، بسبب الإخفاق في تطبيق ضوابط كافية لمكافحة غسل الأموال، قبل أن يحصل لاحقاً على عفو من الرئيس دونالد ترامب.
مشهد سياسي متغير
إلى جانب تبرعات قطاع العملات المشفرة، استقطب “حزب الإصلاح” دعماً من رجال أعمال ومستثمرين بارزين في قطاعات إدارة الأصول والاتصالات والتكنولوجيا.
في المقابل، جمع “حزب المحافظين” نحو 4 ملايين جنيه إسترليني خلال الربع الأول من العام، بينما حصل “حزب العمال الحاكم” على 3.9 ملايين جنيه، ما يعني أن “الإصلاح” تفوق على أكبر حزبين في البلاد من حيث حجم التبرعات خلال الفترة نفسها.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يبدو أن الجدل حول العلاقة بين المال الرقمي والسياسة لن يقتصر على تنظيم التبرعات فحسب، بل سيمتد إلى أسئلة أوسع تتعلق بمستقبل الديمقراطية البريطانية وحدود تأثير أصحاب الثروات الكبرى على القرار السياسي.













