في خطوة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى التهدئة، أعلن دونالد ترامب تمديد الهدنة مع إيران من دون تحديد سقفٍ زمني، استجابةً لوساطة قادها قائد الجيش الباكستاني. غير أن القراءة المُتأنية لهذا القرار تكشف أنه ليس مُجرد خطوة دبلوماسية، بل مناورة مركّبة تضرب في أكثر من اتجاه، وتعيد صياغة قواعد الاشتباك من دون إطلاق رصاصة واحدة.
أول ما يُلفت في هذا القرار رهانه الواضح على تأثيرات مفعول الزمن على البنية الداخلية للنظام الإيراني. التمديد المفتوح لا يمنح طهران فرصة لالتقاط الأنفاس بقدر ما يفتح المجال لإنضاج التناقضات الداخلية. المعلومات التي حملها الوفد الباكستاني من لقاءاته مع مختلف مراكز القرار داخل طهران، تُوحي بأن الانقسام لم يعد هامشيًا، بل بات عنصرًا فاعلًا في معادلة الحكم. ومع تصاعد الضغوط الناتجة عن تشديد الحصار البحري، يتحوّل الوقت – في الحسابات الأمريكية – إلى حليف استراتيجي يعمل بصمت على تفكيك التماسك الداخلي لنظام الملالي.
في المقابل، يحتفظ ترامب بورقة أخطر من التصعيد نفسه: الغموض. إن غياب أي سقف زمني للهدنة يُحرّر القرار الأمريكي من أي التزام مُسبق، ويُبقي لحظة التحرك العسكري، إن حصل، رهينة عنصر المفاجأة. هذا الغموض لا يُربك فقط حسابات القيادة الإيرانية، بل يفرض عليها حالة استنفار دائم، مكلفة اقتصاديًا وعسكريًا، بحيث يتحوّل الانتظار إلى شكل من أشكال الاستنزاف.
وفي خلفية هذا المشهد، تجري عملية هادئة لاستكمال الاستعدادات العسكرية. القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة تستفيد من هذا الهامش الزمني المفتوح لإعادة التموضع، وتعزيز الجاهزية، دون ضجيج إعلامي أو ضغط زمني. ذلك أن الإعلان المُسبق عن أي تحرك عسكري يُفقده قيمته، ويمنح الخصم فرصة ثمينة للاحتياط والتحصين.
اقتصاديًا، يبدو التمديد وكأنه فتحٌ مُتعمّد لصنبور الضغط إلى أقصاه. فالحصار البحري، الذي يضيق الخناق تدريجيًا على مفاصل الاقتصاد الإيراني، يحتاج إلى الوقت كي يؤتي ثماره الكاملة. وهنا، لا تسعى واشنطن إلى مواجهة مباشرة بقدر ما تراهن على تحولات داخلية تُنتجها الضغوط الاقتصادية، بما يجعل التغيير ينبع من الداخل بدل أن يُفرض من الخارج.
لكن الأهم ربما هو إعادة توزيع عبء الأزمة على الساحة الدولية. فملف تأمين الملاحة في مضيق “هُرمز” لم يعد ورقة حصرية بيد طهران، بل تحوّل إلى تحدٍّ أمام العواصم الكبرى، من بروكسل إلى بكين. بهذا المعنى، نجح ترامب في نقل مركز ثقل الصراع من كونه أزمة أمريكية-إيرانية إلى قضية دولية متعددة الأطراف، تُحمّل الآخرين جزءًا من كلفتها السياسية والاقتصادية.
على مستوى الخطاب، يقدّم ترامب نفسه كطرف منفتح على التسوية، مُستعد للاستماع إلى الوساطات الإقليمية والدولية، في مقابل تصوير إيران كطرف مُتصلب. هذه المعادلة تمنحه هامشًا أوسع من الشرعية الدولية، وتُهيّئ الأرضية السياسية لمنح شرعية أكبر لأي تصعيد لاحق، إن قرر الذهاب في هذا الاتجاه.
في العمق، يعكس القرار قراءة استخباراتية دقيقة للداخل الإيراني. فالمعطيات التي خرجت بها الزيارة الباكستانية إلى طهران، والتي شملت مختلف دوائر صنع القرار، لعبت دورًا حاسمًا في ترجيح خيار التمديد المفتوح. وأن تصريح ترامب بوجود خلافات حادة في قمة الهرم الإيراني لا يمكن اعتباره زلة لسان، بل كان رسالة محسوبة، تُؤكد أن واشنطن تُراهن على لحظة سياسية لم تنضج بعد، لكنها في طور التشكل.
في المحصلة، لا يمكن فهم تمديد الهُدنة إلا بوصفه توظيفًا ذكيًا للزمن كسلاح استراتيجي. ففي هذه المعادلة، يعمل الوقت ضد النظام الإيراني، ويتم توظيفه كأداة ضغط أمريكية متعددة الأبعاد: سياسية، اقتصادية، وعسكرية. هذا التمديد يُدشّن مرحلة مغايرة من الحرب: استنزاف بطيء الإيقاع، لكن آثاره على تماسك النظام الإيراني، وتوازناته الداخلية، وتحالفاته الخارجية، ستكون أعمق بكثير من المواجهة المباشرة.
















