بقلم محرر شؤون الاقتصاد: مصطفى عزيز
بقلم محرر شؤون الاقتصاد: مصطفى عزيز

مقالات مشابهة

صناعات غذائية

نهاية عصر “يا أبيض يا أسود”.. كيف يُنهي “المرنون” هيمنة اللحوم دون التخلي عنها؟

بقلم محرر شؤون الاقتصاد: مصطفى عزيز
بقلم محرر شؤون الاقتصاد: مصطفى عزيز

لطالما ساد في الخطاب العام، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، انطباع بأن العالم يتجه سريعاً نحو النباتية الصرفة (Veganism)، وأن اللحوم ستتراجع قريباً إلى الهامش لصالح الخضروات والبقوليات وبدائل البروتين. غير أن مراجعة البيانات السوقية واستطلاعات الاستهلاك خلال عامي 2024 و2025 ترسم صورة مختلفة وأكثر تعقيداً.

بينما بقيت نسب النباتيين الصرف والنباتيين التقليديين مستقرة نسبياً، برز اتجاه ثالث أكثر تأثيراً، لا يقوم على الامتناع الكامل، بل على إعادة ضبط العلاقة مع اللحوم. هذا الاتجاه يُعرف بـ”النباتية المرنة” (Flexitarianism)، وهو اليوم أحد أبرز المحركات الصامتة للتحولات في الصناعات الغذائية العالمية.

الوهم الرقمي والتحول الحقيقي

على الرغم من الزخم الإعلامي الكبير المحيط بالأنماط النباتية، تشير استطلاعات رأي وتقارير متخصصة، مثل بيانات “غالوب” و”يورو مونيتور”، إلى أن نسبة النباتيين الصرف (Vegans) في الولايات المتحدة وأوروبا ما زالت تدور في نطاق محدود، غالباً بين 1% و3%، فيما استقرت نسبة النباتيين التقليديين عند حدود 4% و5% خلال السنوات الماضية.

في المقابل، تكمن القفزة الفعلية في فئة أوسع بكثير من المستهلكين الذين يعرّفون أنفسهم بوصفهم “مرنين” في اختياراتهم الغذائية. وتقدّر بعض الدراسات أن هذه الفئة قد تمثل ما بين ثلث إلى نحو 40% من المستهلكين في الأسواق المتقدمة، وهم لا يتعاملون مع المنتجات النباتية بوصفها بديلاً وجودياً للحوم، بل خياراً إضافياً ضمن نظام غذائي متنوع.

هذا يفسّر النمو اللافت في مبيعات بدائل اللحوم والمشروبات النباتية، رغم ثبات أعداد النباتيين الصرف. فالمحرك الحقيقي للطلب ليس الامتناع، بل التنويع وتقليل الاستهلاك.

منطق “المرونة” بدل منطق الاستقطاب

ما الذي يجعل تيار “المرونة” أكثر جاذبية وقوة من التيارات النباتية التقليدية؟ يكمن السر في النفسية البشرية التي تنفر من القيود الصارمة. النظام النباتي الصرف يتطلب التزاماً أخلاقياً وسلوكياً حداً يراه الكثيرون عائقاً اجتماعياً، بينما تقدم “المرونة” حلاً براغماتياً: يمكنك أن تكون صديقاً للبيئة وصحياً طوال الأسبوع، وتستمتع بشريحة لحم مشوية في عطلة نهاية الأسبوع.

GWA

هذه الفلسفة القائمة على “التقليل المتعمد” (Intentional Reduction) وليس “الحرمان الكامل”، سمحت بدخول ملايين البشر إلى دائرة الاهتمام بالبيئة والصحة دون الشعور بالذنب عند حدوث أي تجاوز. المحرك الأساسي هنا هو الصحة الوقائية؛ حيث بات المستهلكون يربطون بين الإفراط في اللحوم الحمراء والأمراض المزمنة، ما جعل الخيار النباتي خياراً “علاجياً” وليس مجرد تفضيل غذائي.

كيف يترجم هذا الاتجاه عملياً؟

يعتمد نمط “النباتية المرنة” على تعديلات تدريجية، لا قفزات جذرية. ومن بين أكثر الإرشادات شيوعاً في هذا الإطار:

أولاً: مبدأ “الإزاحة” لا “الحذف”: لا تبدأ بحذف اللحوم من وجباتك، بل ابدأ بإزاحتها لتفسح المجال للنباتات. املأ 50% من طبقك بالخضروات والحبوب، ودع اللحم يحتل الربع فقط.

ثانياً: استراتيجية “الاثنين الخالي من اللحوم”: خصص يوماً واحداً أسبوعياً (مثل يوم الاثنين عالمياً) ليكون نباتياً بالكامل. هذا الالتزام البسيط يكسر حاجز الخوف النفسي ويعوّد حاسة التذوق على بدائل جديدة.

ثالثاً: الحلول الهجينة (Hybrid Approach): عند طهي اللحم المفروم (للكباب أو البرجر)، اخلطه بنسبة 50% مع العدس أو الفطر أو بروتين البازلاء. ستحصل على نفس النكهة والملمس، ولكن بنصف السعرات والدهون والتكلفة البيئية.

رابعاً: جودة أعلى، وتكرار أقل: بدلاً من شراء لحوم رخيصة ومعالجة يومياً، وفّر ميزانيتك لشراء قطعة لحم عالية الجودة (عضوية أو مرعى حر) مرة أو مرتين أسبوعياً. استمتع بها كـ “تجربة” وليس كـ “عادة”.

خامساً: أعد اكتشاف التوابل: المشكلة ليست في الخضروات، بل في طريقة طهيها. النباتيون المرنون يستخدمون نفس التوابل وطرق الشواء (Grilling) والتدخين التي تستخدم للحوم، لتصبح البقوليات والخضروات مشبعة بالنكهات القوية التي يعشقها الجميع.

صعود “النباتيين المرنين” يعكس تحوّلاً أوسع في سلوك المستهلك العالمي: البحث عن حلول وسط قابلة للتطبيق، بدلاً من نماذج مثالية يصعب تعميمها. فإقناع مليارات البشر بالتخلي الكامل عن اللحوم يبدو هدفاً غير واقعي، بينما تقليل الاستهلاك بنسبة ملموسة هدف أكثر قابلية للتحقق، وأوسع أثراً من حيث الصحة والبيئة.

في هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح: “هل أنت نباتي أم لا؟”، بل: كم مرة تختار أن تقلّل فيها استهلاك اللحوم؟ وعند هذه المنطقة الرمادية، حيث التوازن يتقدّم على التطرف الغذائي، يبدو أن “المرونة” باتت العنوان الأبرز للمرحلة المقبلة.