في الثامن من يونيو 1992، لم يُغتل رجلٌ فقط أمام مكتبه في القاهرة، بل استُهدفت فكرة بأكملها. كان الهدف هو إسكات صوت المفكر والكاتب المصري فرج فودة، أحد أبرز المدافعين عن العلمانية في العالم العربي، وأحد أكثر الأصوات جرأة في مواجهة صعود الإسلام السياسي خلال ثمانينيات ومطلع تسعينيات القرن الماضي.
خرج فرج فودة من معركة الأفكار النظرية إلى مواجهة مباشرة مع قوى التطرف التي كانت تعتبر الفكر النقدي كفراً، والاختلاف خيانة، والاجتهاد خروجاً عن الجماعة.
لم يكن الرجل يحمل سلاحاً، ولم يؤسس ميليشيا، ولم يدعُ إلى العنف. كانت أسلحته الوحيدة هي الكلمة والحجة والعقل. لكن هذه الأسلحة بالذات كانت الأكثر إزعاجاً لمن أرادوا احتكار الحقيقة واحتجاز الدين رهينةً لمشروع سياسي.
مناظرات انتهت بالرصاص: اغتيال فودة بعد حملة تكفير وتحريض
في تلك السنوات المضطربة، كانت مصر تعيش على وقع تصاعد التيارات الإسلاموية. وبينما اختار البعض الصمت أو المواربة، اختار فرج فودة المواجهة العلنية. كتب وحاضر وناظر، منتقداً الخلط بين المقدس والسياسي، محذراً من تحويل الدين إلى أداة للسلطة. لم يكن عداؤه موجهاً إلى الإسلام، كما حاول خصومه تصويره، بل إلى توظيف الإسلام في الصراع على الحكم.
حين عجزت الحجج عن هزيمة الرجل، أٌشهرت الرصاصات. سقط فرج فودة بنيران متطرفين أمام شهود عيان، في جريمة كشفت حجم المأزق الذي كانت تعيشه المنطقة: مأزق مجتمع يُقتل فيه المفكر بسبب أفكاره، ويُكافأ فيه المحرّضون على القتل بالتصفيق أو الصمت.
الأكثر مأساوية في الجريمة المناخ التحريضي الذي سبقها. فقد سبقت عملية الاغتيال حملات تكفير وتحريض منظمة، شاركت فيها أصوات دينية وسياسية اعتبرت أن الرجل تجاوز “الخطوط الحمراء”. وبعد الاغتيال، جاءت بعض التصريحات والفتاوى لتؤكد أن طلقات الرصاص لم تكن سوى الحلقة الأخيرة التي توّجت سلسلة طويلة من التحريض والقتل المعنوي.
كتب هزّت المحظورات وواجهت توظيف الدين في السياسة
لعل ما جعل فرج فودة هدفاً مباشراً لقوى الإسلام السياسي أنه لم يكتف برفع شعارات التنوير، بل دخل إلى المناطق التي كان الاقتراب منها محرماً. ففي كتابه “الحقيقة الغائبة” لم يكتف بمراجعة الرواية التقليدية للتاريخ الإسلامي، بل أعاد طرح أسئلة مزعجة حول الصراع على السلطة بعد وفاة النبي، وكيف جرى توظيف الدين لتبرير مشاريع سياسية وصراعات بشرية خالصة. كان يعلم أن الاقتراب من هذه الملفات أشبه بالسير فوق حقل ألغام، لكنه اعتبر أن احترام العقل وتنويره يقتضيان فتح تلك الملفات لا دفنها.
وفي كتابه “الإرهاب”، كتب ضد منطق العنف الذي كان يكتسح المنطقة باسم الدين، محذراً من أن الجماعات التي تبدأ بتكفير خصومها ستنتهي حتماً إلى استباحة دمائهم. أما في “النذير” و”قبل السقوط” فقد بدا وكأنه يقرأ المستقبل، محذراً من أن تسليم المجال العام لخطاب التعصب سيقود المجتمعات العربية إلى الانغلاق والصدام مع العصر.
كانت معركته الكبرى مع أولئك الذين أرادوا احتكار الحديث باسم الإسلام. كان يرفض تحويل الدين إلى برنامج حزبي أو وسيلة للوصول إلى السلطة. لذلك كان يردد أن الدولة الحديثة لا تحميها القداسة بل القانون، وأن كرامة المواطن لا ينبغي أن يقاس بمدى قربه من جماعة دينية أو مذهبية، بل بصفته مواطناً يحظى بكامل الحقوق.
مناظرات القاهرة.. دفاع عن العقل في مواجهة التطرف
ولم يكن غريباً أن تبلغ المواجهة ذروتها في المناظرات الفكرية الشهيرة التي شهدتها القاهرة مطلع التسعينيات، حين وقف وحيداً تقريباً في مواجهة رموز التيار الإسلامي، مدافعاً عن العلمانية والدولة المدنية وحرية التفكير. يومها لم يكن يدافع عن نفسه بقدر ما كان يدافع عن حق المجتمع في أن يناقش ويختلف ويسأل. كان يدرك أن المعركة الحقيقية ليست بين الإيمان والكفر كما أراد البعض تصويرها، بل بين العقل الذي يقبل الحوار والعقل الذي يرفضه.
لذا، لم يكن اغتيال فرج فودة مجرد جريمة ضد فرد، بل كان محاولة لاغتيال مشروع كامل يقوم على النقد والمراجعة والتفكير الحر. وحين نعيد قراءة كتبه اليوم، ندرك أن الكثير من التحذيرات التي أطلقها قبل أكثر من ثلاثة عقود لم تكن اجتهادات نظرية فحسب، بل كانت استشرافاً مبكراً لمسارات العنف والتطرف والانقسام التي عرفتها المنطقة لاحقاً.
وبعد زهاء ثلث قرن على رحيله، ما يزال إرث فرج فودة حاضراً في الفكر الحداثي العربي. ليس لأن كتبه تحولت إلى مراجع مقدسة، بل لأن الأسئلة التي طرحها ما تزال قائمة: كيف نبني دولة حديثة تحترم الدين دون أن تتحول إلى دولة دينية؟ كيف نضمن حرية الفكر والمعتقد؟ وكيف نمنع المتطرفين من مصادرة حق المجتمع في النقاش والاختلاف؟
ربما انتصر القتلة آنياً، يوم 8 يونيو 1992، إذ نجحوا في إزهاق روح رجل. لكنهم فشلوا في اغتيال الفكرة التي حملها. فالأفكار لا تموت بالرصاص، والعقل لا يُدفن مع أصحابه.
في ذكرى اغتيال فرج فودة، لا يتعلق الأمر بمجرد استعادة لحدث من الماضي، بل مناسبة للتذكير بأن معركة الحرية الفكرية في العالم العربي لم تُحسم بعد. فكلما ارتفع صوت يدعو إلى التكفير أو التحريض أو إقصاء المختلف، يعود اسم فرج فودة ليذكّرنا بأن ثمن الدفاع عن العقل قد يكون باهظاً، لكن ثمن التخلي عنه أفدح بكثير!
















