الفكر العربي المعاصر (2-2)

بين “ولاية الفقيه” و”الحاكمية”: كيف تحوّل الصراع على السيادة من الدين إلى معركة حول الدولة والمواطنة في العالم الإسلامي؟

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

يمثل الصراع بين السيادة الإلهية والسيادة البشرية جوهر الأزمة السياسية في العالم الإسلامي المعاصر. فبينما تقوم الدولة الحديثة على شرعية العقد الاجتماعي وإرادة المواطنين، تطرح النماذج الدينية نفسها بديلاً مقدساً يحتكر الحقيقة والسلطة معاً. وهنا لا بد من تفكيك البنية الفكرية لهذه النماذج، ولا سيما نظريتَي “ولاية الفقيه” في الفكر الشيعي، و”الحاكمية” في الفكر السُّني. مع بيان كيف يقدم أنصار الدولة المدنية نقداً جذرياً لهما، وطرح بدائل تستند إلى سيادة القانون والمواطنة الكاملة.

إن المقاربة التحليلية هنا تقوم على قراءة نقدية للخطاب الديني والسياسي المعاصر، وتهدف إلى تحويل النقاش من منطق القداسة والوصاية إلى منطق السياسة بوصفها شأناً بشرياً خاضعاً للنقاش والمساءلة.

نظرية ولاية الفقيه

في السياق الشيعي، تمثل نظرية ولاية الفقيه بصيغتها السياسية المعاصرة ذروة تسييس المذهب، إذ تنقل السُّلطة من منطق الانتظار الديني إلى ممارسة سياسية مطلقة بيد فقيه يُقدَّم كأنه نائب عن الغائب. هذا التحول يمنح الحاكم سلطة تستمد مشروعيتها من مصدر فوق بشري، بما يضعه عملياً خارج المساءلة الشعبية والقانونية، ويحول المواطنين إلى رعية مطلوب منها الطاعة لا المشاركة.

في مواجهة ذلك، يطرح أنصار الدولة المدنية داخل الفكر الشيعي تصوراً مغايراً يقوم على بشرية السلطة ومحدوديتها. فالحاكم، وفق هذا المنظور، مواطن يُفوَّض بسلطة مؤقتة عبر عقد اجتماعي واضح، وتبقى شرعيته مرهونة بإرادة المجتمع والقانون. ويؤكد هذا الاتجاه أن الأصل هو عدم ولاية أحد على أحد، وأن السيادة حق حصري للمجتمع، يحدد من خلاله شكل الحكم وآلياته في إطار مدني يقوم على المشاركة والتمثيل والمساءلة.

يتوسع هذا النقد ليشمل فكرة تسييس الدين نفسها. فدمج الدين بالدولة، كما يرى عدد من المفكرين، لا يؤدي إلى حماية المُقدَّس، بل إلى إفساده مع السياسة معاً. الدولة، بحكم طبيعتها، تقوم على القانون والإلزام، بينما يقوم الدين على القناعة الحرة. وعندما تتحول السلطة السياسية إلى سلطة دينية، فإنها تفرض التدين بالقوة، وتنتج نفاقاً اجتماعياً، وتمنح قرارات بشرية قابلة للخطأ غطاءً من القداسة يمنع نقدها أو محاسبتها.

على المستوى الاجتماعي، يُنظر إلى الدولة المدنية بوصفها الإطار الوحيد القادر على تجاوز الانقسامات الطائفية وبناء مواطنة متساوية. فالدولة الدينية تميز بين الناس على أساس الانتماء المذهبي، بينما تقوم الدولة المدنية على مساواة قانونية كاملة، وتؤكد الانتماء إلى الدولة الوطنية الحديثة بحدودها الدستورية، لا إلى ولاءات عابرة للحدود أو مرجعيات فوق وطنية.

من اللافت في هذا السياق أن بعض دعاة الدولة المدنية يستندون إلى التراث الديني نفسه لإعادة قراءته قراءة إنسانية، تبرز قيم العدالة والمساواة وكرامة الإنسان. ويُعاد تقديم هذا التراث بوصفه رافداً أخلاقياً عاماً، لا أساساً لسلطة سياسية مقدسة أو وصاية دينية على المجتمع.

نظرية الحاكمية السنية

في السياق السني، تقوم نظرية الحاكمية على فكرة نفي أي تشريع بشري، بزعم أن الحكم حق إلهي خالص. ويواجه هذا التصور نقداً علمانياً واسعاً يرى فيه بناءً أيديولوجياً يخفي سلطة بشرية خلف خطاب ديني. فالنصوص، في الواقع، لا تحكم بذاتها، بل يفسرها بشر ويطبقونها وفق مصالحهم ورؤاهم. وعليه، تتحول الحاكمية إلى سلطة لرجال الدين، لا إلى تجسيد لإرادة إلهية.

كما يؤدي هذا المنطق إلى إلغاء السياسة بوصفها مجالاً للاختلاف والتفاوض، وتحويلها إلى ساحة صراع عقائدي بين حق مطلق وباطل مطلق. في هذا الإطار، تصبح المعارضة السياسية خروجاً على الدين، ويُغلق الباب أمام التداول السلمي للسلطة وأي ممارسة ديمقراطية حقيقية.

يرفض النقد المدني أيضاً فكرة وجود شكل مُقدَّس ثابت للدولة في التاريخ الإسلامي. فالدولة، تاريخياً، ظاهرة بشرية خاضعة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية، وقد قامت نظم الحكم في المجتمعات الإسلامية على القوة والعصبية والمصالح، مع توظيف الدين لتبرير السلطة، لا العكس. ومن ثم فإن محاولة استنساخ نموذج مثالي متخيل للدولة الدينية في الحاضر تمثل قطيعة مع الواقع وتجاهلاً لتعقيداته.

سيادة القانون

في مواجهة ذلك، تطرح الدولة المدنية مبدأ سيادة القانون بوصفه حجر الأساس للحكم الحديث. فالتشريع حق للمجتمع، تمارسه مؤسساته المنتخبة، ويظل القانون قابلاً للنقاش والتعديل وفق حاجات الناس وتغير الظروف. نزع القداسة عن القانون لا يعني الفوضى، بل يعني إخضاع السلطة للقواعد العامة والمساءلة المستمرة.

إن الانتقال من النماذج الثيوقراطية إلى الدولة المدنية ليس خياراً فكرياً مجرداً، بل ضرورة سياسية واجتماعية. فالقاسم المشترك بين ولاية الفقيه والحاكمية هو مصادرة السيادة الشعبية ومنحها لنخبة دينية محصنة بالقداسة، بما يُفضي إلى الاستبداد والانقسام. أما الدولة المدنية، القائمة على فصل الدين عن الدولة وسيادة القانون والمواطنة المتساوية، فهي الإطار القادر على حماية الدين من التوظيف السياسي، وصون وحدة المجتمع، وبناء دولة حديثة تقوم على الحرية والمسؤولية والمساواة.