الفكر العربي المعاصر (1-2)

أزمة الدولة والبحث عن الخلاص المدني: صراع مفتوح على السيادة والشرعية بين الاستبداد وثيوقراطية المقدّس

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

لا شيء “مجرّد” في عبارة “الدولة المدنيّة” في الفضاء العربي. فهي ليست تعبيراً مخففاً عن العلمانية، ولا قناعاً تجميلياً لدولة أمنية، ولا تسوية لغوية بين دعاة “الشريعة” وحراس “النظام”. هي، عملياً، اسم لمعركة شرعية وتشريع وسيادة: هل تُبنى الدولة على عقد اجتماعي بشري، أم تُستمد شرعيتها من تفويض فوقي تُنتجه سلطة دينية أو حركة أيديولوجية تدّعي امتلاك “المعنى الأعلى”؟

تبدو هذه المعركة قديمة، لكنها لم تُحسم عربياً. فمنذ انهيار الإمبراطوريات وصعود الدولة الوطنية، مروراً بموجات “الصحوة” وتديين المجال العام، وصولاً إلى انفجارات 2011 وما تلاها، ظلت الدولة العربية تتأرجح بين نموذجين مأزومين: استبداد يطلب الطاعة باسم الاستقرار، وثيوقراطية تطلب الطاعة باسم المقدس. وبين هذين الحدّين، صعدت “الدولة المدنية” كخيار يُفترض أنه يقطع مع الاستبداد والثيوقراطية معاً، أو على الأقل يحدّ من تغوّلهما.

سؤال الدولة

لأنّ الأزمة لم تعد سياسية فقط، بل صارت (دستورية-وجودية) مفادها من يملك “الكلمة العليا”؟ ومن يحدّد “القانون الأعلى”؟ وما حدود الدين في المجال العام؟ أعيد فتح النقاش حول نموذج الدولة الحديثة بقوة بعد موجة الاحتجاجات العربية، وبرزت “الدولة المدنية” كنقطة مرجعية في هذا السّجال، لأنها تتصل مباشرةً بجوهر المشكلة، وهي أن السلطة حين تفقد مصدرها البشري، تتحول إلى قدرٍ لا إلى تفويض.

لكن الأهم ليس “عودة” النقاش بحد ذاته، بل سبب العودة: فشل النماذج التي ادّعت تقديم إجابات نهائية. الدولة الأمنية لم تُنتج مواطنة؛ أنتجت رعايا. والدولة الدينية/الإسلاموية لم تُنتج عدالة؛ أنتجت صراعاً على احتكار الحقيقة. وفي الحالتين، بقي المواطن خارج المعادلة، إمّا بوصفه “تهديداً” يجب ضبطه، أو “تابعاً” يجب توجيهه.

الدولة المدنية: حل لغوي أم حل سياسي؟

انتشار مصطلح “الدولة المدنية” يرتبط أيضاً بأزمة لغة. فمصطلح “الدولة العلمانية” يحمل في الخيال العربي شبهة “الاغتراب” و”الإلحاد”، بينما تحمل “الدولة الدينية” دلالة “السلطوية والقمع”، خصوصاً بعد أمثلة أنظمة وجماعات تتحدث باسم الدين وتشتغل بمنطق الإقصاء. هكذا تصبح “الدولة المدنية” مخرجاً لغوياً: صياغة تتجنب وصمة “العلمانية” ووحشة “الثيوقراطية” في آنٍ واحد.

غير أن هذا “المخرج اللغوي” قد يتحول سريعاً إلى مخرج سياسي يُستخدم للتهرب من الحسم. فالمشكلة ليست في المصطلحات فقط؛ المشكلة في مصدر الشرعية، ومركز السيادة، وطبيعة التشريع. 

لذلك ينبغي التعامل مع “الدولة المدنية” على مستويين متوازيين: الأول، كمفهوم تداولي في السجال العام: فضفاض، قابل للاختطاف، ومفتوح على تأويلات متناقضة. والثاني، كمشروع دستوري محدد المعايير: قابل للقياس والمحاسبة، لا يكتفي بالإيماءات البلاغية.

المنطقة الرمادية

أحد أسباب الالتباس أن “الدولة المدنية” كثيراً ما تُطرح داخل “منطقة رمادية” تتجاوز ثنائية الديني/العلماني. فهي أحياناً تُستخدم لإرباك الثنائية الحديثة أو الالتفاف عليها، وقد وُصفت في بعض الأدبيات “ما بعد-علماني/ديني” (post-secular-religious) في الخطاب العربي المعاصر. والمعنى السياسي المباشر لهذا الوصف أن بعض الفاعلين يريدون دولة حديثة بآلياتها، لكنهم لا يريدون إعلان فصل قاطع بين الدين والسياسة. لذلك يتبنّون صيغة تسمح بإبعاد الدين عن “السلطة الرسمية” مع ابقائه حاضراً في المجال العام بصورة معيارية أو رمزية.

قد يبدو هذا الوصف مفيداً للوهلة الأولى، لكنه ليس هدفاً بحد ذاته. لأن الاكتفاء بـ”إرباك الثنائية” لا يحلّ المشكلة في المجال العربي، حيث الثنائيات ليست شأناً نظرياً فقط؛ إنها مسألة حقوق ودماء ومساواة. المعضلة ليست كيف نرضي الجميع لغوياً؟ بل كيف نبني دولة تُساوي بين المواطنين، وتمنع الاستيلاء الديني على السياسة، وتمنع الاستبداد من التذرع بالدين أو مكافحة الدين؟

السيادة البشرية وسيادة القانون

يمكن اختبار “مدنية” أي دولة عبر معيارين حاسمين لا ثالث لهما، يتصلان مباشرةً بجوهر السلطة وطبيعة الشرعية: من يملك السيادة؟ وكيف يُنتَج القانون ويُطبَّق؟

أول هذه المعايير هو طبيعة السيادة نفسها. هل هي بشرية فعلية، تستمد مشروعيتها من الشعب عبر آليات تمثيل ومساءلة واضحة، أم أن هناك سلطة أعلى، دينية كانت، أو أيديولوجية، أو أمنية، تحتفظ بحق تعطيل الإرادة الشعبية متى تعارضت مع تصوراتها أو مصالحها؟ 

في النموذج المدني، تُنزع القداسة عن السلطة السياسية، ويُعاد تعريفها بوصفها وظيفة بشرية مؤقتة، يُفوَّض بها أشخاص يختارهم المواطنون، ويخضعون للمحاسبة والعزل. أما النماذج التي تجعل الحاكم “ممثل الله”، أو “مفوضاً فوقياً”، أو “حارساً للحقيقة”، فهي تنقل السلطة من مجال السياسة إلى مجال العقيدة، وتُحصّنها ضد النقد والمساءلة. وهنا يبرز معيار لا يقبل الالتفاف: أي صيغة لا تُسقط القداسة عن السلطة ليست دولة مدنية، مهما استخدمت من تسميات أو شعارات.

المعيار الثاني هو موقع القانون في بنية الدولة. ففي الدولة المدنية الحديثة، لا يكون القانون امتداداً لقداسة النص، ولا تابعاً لمركز تفسير مخوَّل، بل تعبيراً عن إرادة بشرية جماعية. هو قانون وضعي يضعه البشر لتنظيم شؤونهم، ويسري على الجميع دون استثناءات مذهبية أو دينية، ويظل قابلاً للتعديل كلما تطورت حاجات المجتمع. وتكمن ضمانته الأساسية في خضوعه لرقابة دستورية مستقلة، تمنع تحويل الأغلبية العددية إلى أداة قمع، وتحمي الحقوق الفردية من النزعات السلطوية.

في المقابل، حين تُخضع الدولة القانون لتأويل ديني أو أيديولوجي يحتكره فاعلون بعينهم، يتحول الخلاف السياسي إلى نزاع عقدي. عند هذه النقطة، لا يعود الاختلاف رأياً، بل “خروجاً”، ولا تعود المعارضة حقاً، بل “ردة” أو “عداءً للدين”. ومن هنا تبدأ الدولة الدينية في الانزلاق نحو العنف السياسي، لأن السياسة تفقد وظيفتها بوصفها إدارة سلمية للاختلاف، ويُدفع المجتمع نحو منطق الإقصاء والتخوين بدل التعدد والمواطنة.

بهذا المعنى، لا تقوم الدولة المدنية على مجرد فصل شكلي بين الدين والدولة، بل على إعادة تأسيس السيادة والقانون بوصفهما شأناً بشرياً خالصاً، يخضع للنقاش، والتعديل، والمساءلة، دون وصاية مقدسة أو حصانة فوق دستورية. 

“الدولة المدنية” ضد الثيوقراطية

تُطرح الدولة المدنية، في أكثر من سياق، كبديل مباشر عن نماذج تمنح سلطة مطلقة لمركز فوق دستوري. وهذا لا يقتصر على السجال السّني حول “الحاكمية”، بل يظهر أيضاً داخل سجالات شيعية وسنّية عربية بوصف “الدولة المدنية” نقيضاً مباشراً لنموذج ولاية الفقيه والخليفة بصيغته المطلقة، حيث يُلغى الفصل بين الدين والسياسة وتُمنح صلاحيات تتجاوز المؤسسات المنتخبة.

ومن هنا تتضح نقطة منهجية ضرورية: تفكيك الإسلاموية لا ينبغي أن يبقى محصوراً في صورتها “السنية”. الإسلاموية مشروع سلطة قبل أن تكون هوية مذهبية. وعندما تُستخدم “الدولة المدنية” كمضاد لولاية الفقيه، فإنها تضيء جوهر القضية: مصادرة السيادة الشعبية لصالح سلطة فوق دستورية.

“المدنية” ضد المحاصصة

تكتسب الفكرة وزنها الحقيقي حين تنتقل من نصوص المثقفين إلى شعارات الشارع. في العراق تحديداً، ومع موجات احتجاج قادها شباب من بيئة شيعية واسعة، ظهرت عبارة “خبز، حرية، دولة مدنية” كشعار مركزي. هذه ليست مجرد عبارة بلاغية؛ إنها اختزال لأزمة دولة ومحاصصة وطائفية. مطلب المدنية هنا ليس تنظيراً، بل بحثاً عن خدمات، وعدالة، وإدارة، وقانون ينهي اقتصاد الغنيمة الطائفية.

إن هذا التحول مهم لسببين واضحين: أولاً، لأنه يربط “المدنية” بمطلب اجتماعي-اقتصادي (خبز/خدمات) لا بشعار فلسفي فقط. وثانياً، لأنه يكشف أن “المدنية” تُطرح عادةً في لحظات الانسداد حين تفشل الطائفية في إنتاج دولة فعّالة.

مع ذلك، يجب الانتباه إلى حقيقة أن الشعار وحده لا يبني دولة، فكثير من الأنظمة تُجيد استيعاب الشعارات وإفراغها. الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تُترجم “الدولة المدنية” إلى ترتيبات ملموسة: دستور يساوي بين المواطنين، قانون واحد بلا محاكم مذهبية، مؤسسات مستقلة، واحتكار الدولة للعنف المشروع.

المفهوم المتنازع عليه

قد يبدو مفهوم “الدولة المدنية” جذّاباً لأنه يجمع الفرقاء تحت مظلة واحدة، لكنه متنازع عليه لأنه يسمح لتيارات متناقضة بأن تعبّئه بمعانٍ مختلفة. هناك من يراه علمنةً مقنّعة، وآخر يراه “طريقاً وسطاً” يحافظ على دور للدين دون هيمنة كهنوتية، والبعض يرفضه أصلاً بوصفه تغريباً. هذه المرونة هي مصدر القوة التداولية للمفهوم، لكنها أيضاً مصدر خطره.

الغموض ليس فضيلة حين يتعلق الأمر بالحقوق. في مجتمعات منقسمة، الغموض يصبح ثغرة يدخل منها التمييز، وتتسلل عبرها استثناءات لحقوق المرأة والأقليات، ويتحول من خلالها القانون إلى ساحة مساومات مذهبية. لهذا يجب تثبيت المعايير قبل تثبيت الشعارات.

 لأنّ سؤال الدولة لم يعد سؤال نخب؛ إنه سؤال حياة يومية: أمن، قضاء، خدمات، كرامة، مساواة. ولأنّ أي مشروع لا يحسم “السيادة” لصالح البشر و”القانون” لصالح المواطنة، سيبقى يدور في الحلقة نفسها: ثيوقراطية تُنتج استبداداً، أو استبداد يلوّح بالدين، أو “مدنية لفظية” تُدار كغلاف لطائفية مؤسسية.