بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

أمن الطاقة (1-3)

أنابيب الغاز تعيد رسم خرائط النفوذ العالمي وسط انهيار مسارات الطاقة التقليدية

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

تحوّلت أنابيب الغاز خلال العقود الأخيرة من مجرّد بنى تحتية لنقل الطاقة من المنتج إلى المستهلك، إلى أحد أكثر أدوات النفوذ الجيوسياسي حساسية وخطورة. فمنذ نهاية الحرب الباردة، تشكّلت خارطة جديدة للصراع الدولي تقوم على خطوط فولاذية تمتد آلاف الكيلومترات تحت الأرض والبحار، تحمل في جوفها طاقة قادرة على تحريك الاقتصادات أو خنقها، على نحو يوازي في تأثيره قدرة الجيوش والتحالفات العسكرية.

اتسم مشهد الطاقة العالمي في العام 2026 بتحول جذري في سلاسل إمداد الغاز الطبيعي، مدفوعاً بالتوترات الجيوسياسية وانهيار مسارات خطوط الأنابيب التقليدية. وقد أجبر توقف عبور الغاز الروسي عبر أوكرانيا مطلع العام الماضي، والقيود التشغيلية لخطّي “نورد ستريم 1 و2″، وحظر الاتحاد الأوروبي لشحنات الغاز الطبيعي المسال الروسي، على إعادة توزيع سريعة للبنية التحتية للطاقة وأولويات الاستثمار. لم تكن هذه الاضطرابات مجرد تقلبات قصيرة الأجل، بل مثلت، ولا تزال، إعادة هيكلة جوهرية لأسواق الطاقة العالمية، مع تداعيات عميقة على المستثمرين.

“دبلوماسية الأنابيب”.. من الطاقة إلى السياسة

مع توسّع الاعتماد على الغاز الطبيعي بوصفه وقوداً انتقالياً أقل تلويثاً من الفحم والنفط، بدأت الدول الصناعية الكبرى، لا سيما في أوروبا، بتبنّي استراتيجيات خاصة للطاقة تقوم على عقود طويلة الأجل مع مورّدين بعينهم؛ غير أن هذه المعادلة حملت في طياتها خللاً بنيوياً “الأمن مقابل الاعتماد”. فكلما بدا الغاز رخيصاً ومستقراً، ازداد الارتهان السياسي للمُصدّر أو لدولة العبور.

روسيا، الوريث الأكبر لشبكة الغاز السوفيتية، كانت أول من أدرك هذه المعادلة. ومن خلال “غازبروم”، لم تُصدّر موسكو الغاز فحسب، بل صدّرت نفوذاً سياسياً ناعماً، مستخدمة الأسعار التفضيلية، والعقود طويلة الأجل، وحتى التلويح بقطع الإمدادات، لإدارة علاقاتها مع الجوار الأوروبي ودول العبور في أوروبا الشرقية.

الغاز.. سلاح غير معلن

خلال العقدين السابقين، كانت أوروبا المثال الأوضح على هذه المفارقة. مشاريع مثل “نورد ستريم” لم تكن مجرّد خطوط غاز تحت بحر البلطيق فحسب، بل تعبيراً عن خيار استراتيجي ألماني-أوروبي يقوم على تجاوز دول العبور التقليدية، وخصوصاً أوكرانيا وبولندا، مقابل شراكة مباشرة مع روسيا.

هذا الخيار، الذي قُدّم بوصفه اقتصادياً وتقنياً، أثار منذ البداية اعتراضات سياسية حادّة. وقد حذّرت الولايات المتحدة مراراً من أن أوروبا تسلّم عنقها لموسكو، بينما رأت دول أوروبا الشرقية في هذه المشاريع تهديداً مزدوجاً: اقتصادياً، عبر خسارة رسوم العبور، وأمنياً، عبر فقدان ورقة الردع التي يوفرها مرور الغاز عبر أراضيها.

ومع تصاعد التوترات بين روسيا والغرب منذ ضمّ القرم في العام 2014، بدأ الغاز يتحوّل تدريجياً من سلعة تجارية إلى أداة ضغط. لتُفرض على العالم رسائل سياسية مقنّعة، مثل خفض الإمدادات، والنزاعات حول الأسعار، وتأخير عمليات الصيانة. مع ذلك، ظل الاعتقاد السائد في العواصم الأوروبية أن “الاعتماد متبادل”، وأن موسكو بحاجة إلى العائدات بقدر حاجة أوروبا إلى الغاز. لكن هذا الافتراض سيتعرّض لاختبار قاسٍ لاحقاً.

دول العبور: الحلقة الأضعف في شبكة النفوذ

تحتل دول العبور، مثل أوكرانيا وتركيا ودول البلقان، موقعاً إشكالياً في قلب معادلة الطاقة العالمية. فهذه الدول ليست مجرد ممرات جغرافية، بل لاعبين قلقين يدركون أن أي تغيير في مسار الأنابيب قد يبدّل مكانتهم الاستراتيجية. صحيح أنها ليست منتِجة بالضرورة، ولا مستهلكة كبرى، لكن هذه الدول تمتلك السلاح أخطر، ألا وهو التحكم في الشريان. هذا الموقع الوسيط جعلها تاريخياً عرضة للضغوط، لكن في المقابل منحها قدرة تفاوضية استثنائية، كثيراً ما أُسيء تقديرها.

أوكرانيا، على سبيل المثال، لم تكن يوماً شريكاً تقليدياً في استثمارات الطاقة، فقد شكّلت لعقود الممر الرئيسي للغاز الروسي إلى أوروبا. ومع كل شتاء، كانت تعود إلى الواجهة أسئلة الرسوم، والأسعار، واتهامات السرقة أو “الابتزاز”، في نزاع لم يكن تقنياً بقدر ما كان سياسياً بامتياز. لكن مع اندلاع الحرب، تبيّن أن التحكم بخط العبور لا يقل أهمية عن امتلاك الحقول نفسها. روسيا رأت في أوكرانيا دولة عبور “غير موثوقة”، بينما رأت الأخيرة في الغاز الروسي ورقة ضغط وجودية تُستخدم لإخضاعها سياسياً.

معادلة أوروبا الشرقية

هذه المعادلة لم تكن حكراً على أوروبا الشرقية، فقد أدركت تركيا مبكراً قيمة موقعها كدولة عبور بين آسيا وأوروبا، وذلك من خلال مشاريع مثل “السيل التركي”، وخطوط الغاز العابرة للأناضول؛ لتتحوّل أنقرة من دولة مستهلكة إلى عقدة طاقة إقليمية، تستخدم موقعها لتحسين شروطها السياسية والاقتصادية مع موسكو وبروكسل على حدّ سواء.

والنتيجة، سباق محموم لتجاوز هذه الدول عبر خطوط بديلة، وهو ما فسّر إصرار روسيا على إنشاء مسارات بحرية تتجاوز أوكرانيا وبولندا، حتى قبل الحرب بسنوات. وهكذا، بدت شبكة الغاز العالمية مستقرة ظاهرياً خلال العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، لكنها في الواقع محمّلة بتناقضات سياسية واقتصادية قابلة للانفجار.