بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

بعد هجمات 7 أكتوبر 2023.. الغرب يعيد تصنيف “الإخوان المسلمين” من فاعل سياسي إلى شبكة إرهابية عابرة للحدود

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

أعادت هجمات السابع من أكتوبر 2023 رسم ملامح النقاش الغربي حول “جماعة الإخوان المسلمين”، بعدما تحول التنظيم من ملف سياسي وفكري مثير للجدل إلى قضية مرتبطة مباشرة بالأمن القومي، وشبكات التمويل، والتأثير الأيديولوجي العابر للحدود.

تعاملت حكومات غربية عدة مع الجماعة خلال العقود الماضية، باعتبارها تياراً إسلامياً سياسياً يمكن احتواؤه داخل المؤسسات الديمقراطية، أو حتى استخدامه كحاجز أمام التنظيمات الجهادية العنيفة، لكن التطورات الأخيرة دفعت هذا التصور إلى مراجعة عميقة وبنيوية. وباتت الأجهزة الأمنية الغربية تنظر إلى “الجماعة” ليس فقط كتنظيم سياسي عابر للدول، بل كشبكة إرهابية عابرة للحدود تمتلك بنية أيديولوجية وتنظيمية قادرة على التغلغل داخل المجتمعات المفتوحة وإعادة إنتاج نفسها بأدوات مختلفة.

بعد هجوم حركة “حماس” على إسرائيل، تصاعدت في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية موجة من التساؤلات حول العلاقة بين الحركات الإسلامية السياسية والبنى الفكرية التي أسهمت في إنتاج خطاب متشدد استُخدم لاحقاً في تبرير العنف. ولم يعد النقاش يدور فقط حول العمليات المسلحة، بل حول البيئة التنظيمية والثقافية والإعلامية التي تمنح مثل هذه الجماعات القدرة على الانتشار والتأثير. 

تصاعد الرقابة الغربية وتجفيف المنابع

بدأت العديد من مراكز الدراسات الغربية تتحدث بكثافة عما يُعرف بالنظام البيئي للإسلام السياسي، وهو مفهوم يشير إلى شبكات مترابطة تضم جمعيات خيرية، ومنظمات طلابية، ومؤسسات دعوية، ومنصات إعلامية، وشخصيات أكاديمية، تعمل جميعها ضمن فضاء أيديولوجي واحد، حتى وإن اختلفت في الأساليب واللغة السياسية المستخدمة أمام المجتمعات الغربية.

في أعقاب الحرب في غزة، كثفت الحكومات الأوروبية إجراءاتها الأمنية والرقابية تجاه المنظمات المرتبطة بالإخوان، أو تلك القريبة فكرياً من خطاب الإسلام السياسي، حيث باتت تُصنف في العديد من الدوائر الأمنية والسياسية كشبكة إرهابية عابرة للحدود تشكل خطراً طويل الأمد على السلم المجتمعي والاستقرار الفكري. وشهدت دول مثل ألمانيا وفرنسا والنمسا توسعاً واضحاً في مراقبة الجمعيات الدينية وشبكات التمويل والنشاطات الطلابية داخل الجامعات. 

في ألمانيا، اعتبرت تقارير هيئة حماية الدستور، وهي الاستخبارات الداخلية، أن الجماعات المرتبطة بالإخوان تمثل تهديداً ممتداً للديمقراطية بسبب قدرتها على التغلغل داخل المؤسسات المدنية تحت غطاء العمل الاجتماعي والديني ومحاولة بناء مجتمعات موازية ذات مرجعية أيديولوجية مغلقة.

كما واصلت باريس سياساتها الصارمة المرتبطة بمواجهة ما تسميه “الانعزالية الإسلامية”، مع تشديد الرقابة على المدارس الخاصة والجمعيات الدينية والتمويل الخارجي. أما في بريطانيا، فقد عاد الجدل مجدداً وبقوة حول مستقبل التنظيمات الإسلامية الناشطة داخل المجتمع المدني، وسط ضغوط سياسية متزايدة لإعادة تقييم العلاقة مع جماعات مرتبطة بخطاب الإخوان، والتدقيق في أنشطتها حتى وإن كانت تعمل ضمن الأطر القانونية الظاهرية.

لم تقتصر هذه التحولات على الجانب الأمني المباشر، بل امتدت إلى المجال السياسي والإعلامي، حيث تصاعدت الدعوات داخل البرلمانات الأوروبية لمراجعة العلاقة مع شبكات الإسلام السياسي، خصوصاً بعد انتشار احتجاجات طلابية ومظاهرات شهدت شعارات اعتبرتها بعض الحكومات الغربية متجاوزة لحدود التضامن السياسي التقليدي ومؤشراً على اختراق فكري منظم داخل الجامعات والمؤسسات العامة.

ترابط البنية التنظيمية وعقدة “حماس”

تكمن قوة “جماعة الإخوان المسلمين” تاريخياً في قدرتها على بناء بنية تنظيمية معقدة ومتعددة المستويات، فالجماعة لم تعتمد فقط على الخطاب الديني أو النشاط السياسي المباشر، بل طورت نموذجاً طويل الأمد يقوم على التغلغل التدريجي داخل المجتمع عبر التعليم والعمل الخيري والنقابات المهنية والاتحادات الطلابية. هذا النموذج منح “الجماعة” قدرة استثنائية على إعادة إنتاج نفسها داخل بيئات مختلفة، سواء في الشرق الأوسط أو داخل المجتمعات الغربية، كما ساعدها على بناء شبكات نفوذ تمتد من المساجد والمراكز الإسلامية إلى المؤسسات الأكاديمية والإعلامية.

ويرى منتقدو “الجماعة” وصناع القرار في الغرب أن هذا التمدد لم يكن مجرّد نشاط اجتماعي طبيعي، بل جزءاً من مشروع سياسي يسعى إلى تشكيل مجتمعات موازية ذات مرجعية أيديولوجية متشددة تشكل حاضنة فكرية للإرهاب. ومع تصاعد المخاوف الأمنية بعد هجمات أكتوبر، باتت أصوات غربية متزايدة تصف الجماعة بأنها شبكة إرهابية عابرة للحدود تستخدم المؤسسات المدنية والعمل الدعوي كأدوات نفوذ ناعمة لتحقيق أهداف سياسية بعيدة المدى.

في المقابل، يحاول أنصار الإخوان الدفع بأن الجماعة تعرضت لعقود من القمع السياسي، وأن مشاركتها السابقة في العمل المدني والانتخابي تثبت التزامها بالوسائل السلمية، إلا أن هذا الطرح بات يفقد تأثيره تدريجاً في العديد من الدوائر الغربية. لكن الجدل الأكبر والأكثر حساسية بقي مرتبطاً بعلاقة الجماعة بـ”حماس”، فالحركة الفلسطينية خرجت تاريخياً من رحم البيئة “الإخوانية” كما نص ميثاقها التأسيسي، واعتمدت منذ نشأتها على المزج بين العمل الدعوي والاجتماعي والعمل العسكري. 

وعلى الرغم من وجود تمايزات تنظيمية فرضتها الجغرافيا والسياسة بين الفروع المختلفة، فإن أحداث أكتوبر أعادت الربط العضوي بينهما في الخطاب السياسي والأمني الغربي، وبات يُنظر إلى “الجماعة” باعتبارها الجذر الفكري والأيديولوجي الذي أسهم في إنتاج الحركات المسلحة ذات الطابع الديني.

مراجعة غربية للإسلام السياسي

أنتجت التحولات الأخيرة واقعاً جديداً وصارماً في طريقة تعامل الغرب مع الإسلام السياسي عموماً، و”جماعة الإخوان” خصوصاً. فبعد سنوات من الفصل المرن بين التنظيمات السياسية والجماعات المتطرفة العنيفة، بدأت الحكومات الغربية تتعامل مع القضية باعتبارها شبكة متداخلة تجمع بين الفكر والتنظيم والتمويل والتأثير المجتمعي. 

تتجلى هذه المراجعات الغربية الشاملة لملف الإخوان في العام 2026 عبر ثلاثة مستويات متكاملة تبدأ بالمستوى الأمني الذي يركز على تجفيف منابع التمويل العابر للحدود وتشديد الرقابة الاستخباراتية على القيادات والمؤسسات، مروراً بالمستوى الفكري الذي يصنف الأيديولوجيا الإخوانية باعتبارها بيئة حاضنة للتطرف، وصولاً إلى المستوى القانوني الذي يعيد مراجعة شرعية الجمعيات والمنظمات المدنية والطلابية المرتبطة بخطاب الجماعة في أوروبا وأمريكا.

وفي الولايات المتحدة، برزت خلال العام 2026 توجهات أكثر صرامة تجاه بعض فروع الجماعة والمؤسسات الدائرة في فلكها، حيث فُرضت عقوبات وتصنيفات إرهابية على كيانات وشخصيات مرتبطة بها في دول عدة، بالتزامن مع تصاعد التنسيق الاستخباراتي الدولي لملاحقة شبكات التمويل المعقدة ومراقبة الأنشطة الاستثمارية والخيرية التي قد تُستخدم كغطاء لدعم جماعات مصنفة إرهابية.

تحولات النقاش الأمني

هذا التحول لا يعني وجود إجماع غربي كامل حول آليات التصنيف القانوني الفوري لــ”الإخوان” في كل العواصم، إذ ما تزال هناك دوائر سياسية وأكاديمية ترى ضرورة التفريق بين الإسلام السياسي والعمل الجهادي المسلح، إلا أن المزاج العام السائد في الغرب بات أكثر ميلاً إلى النظر لـ”الجماعة” باعتبارها شبكة إرهابية عابرة للحدود من حيث البنية الفكرية والتأثير التنظيمي، وجزءاً من أزمة أوسع تتعلق بالتطرف والهويات المغلقة والتأثير الأيديولوجي العابر للحدود. 

مع استمرار تداعيات الحرب في غزة وتشابكاتها الإقليمية، يبدو أن ملف “الإخوان المسلمين” سيبقى حاضراً بقوة على رأس أجندة النقاشات الأمنية الدولية خلال السنوات المقبلة، ليس فقط بوصفه قضية شرق أوسطية، بل باعتباره تحدياً مباشراً يرتبط بمستقبل الأمن الفكري والاستقرار السياسي والتماسك المجتمعي داخل الدول الغربية نفسها.