بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

حواجز سياسية

الاتحاد الأوروبي يكسر المحظور: عقوبات على المستوطنين تكشف تحوّلاً تدريجياً في سياسة أوروبا تجاه إسرائيل

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

كسرَ الاتحاد الأوروبي، للمرة الأولى منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، أحد أكثر الحواجز السياسية حساسية في علاقته مع إسرائيل، بعدما توصّل وزراء خارجية الدول الأعضاء إلى اتفاق سياسي يقضي بفرض عقوبات على مستوطنين إسرائيليين متطرفين، ومنظمات استيطانية تنشط في الضفة الغربية المحتلة.

بالرغم من أن العقوبات المعلنة ما تزال محدودة من حيث عدد الأفراد والكيانات المستهدفة، فإن أهميتها السياسية تتجاوز بكثير بعدها التنفيذي المباشر، لأنها تعكس تحوّلاً تدريجياً داخل أوروبا من مرحلة الإدانات الدبلوماسية التقليدية إلى اختبار أدوات ضغط فعلية ضد جهات إسرائيلية مرتبطة بالعنف والاستيطان.

القرار الأوروبي لا يأتي في سياق قانوني أو حقوقي فحسب، بل يعبّر أيضاً عن تبدّل أوسع في المزاج السياسي داخل القارة الأوروبية، بعد أشهر طويلة من الحرب في غزة، وما رافقها من تصاعد غير مسبوق في التوتر داخل الضفة الغربية، إلى جانب تزايد الانتقادات الأوروبية والدولية للسياسات الإسرائيلية المرتبطة بالتوسع الاستيطاني.

عقوبات محدودة ورسائل أوسع

تستهدف العقوبات الأوروبية ثلاثة مستوطنين وأربع منظمات إسرائيلية، وتشمل حظر السفر إلى دول الاتحاد الأوروبي، وتجميد الأصول المالية، ومنع أي تعاملات اقتصادية أو مالية معهم.

كما تضم الحزمة ذاتها عقوبات على قيادات بارزة في حركة حماس، في محاولة أوروبية للحفاظ على توازن سياسي بين رفض العنف المرتبط بالمستوطنين ورفض العنف الذي تنسبه أوروبا إلى الحركة الفلسطينية.

وعلى الرغم من أن الدول الأوروبية لم تتوصل بعد إلى توافق بشأن خطوات أشدّ، مثل فرض حظر على منتجات المستوطنات أو مراجعة الاتفاقيات التجارية مع إسرائيل، فإن القرار الحالي يؤسس لسابقة سياسية وقانونية قد تُبنى عليها خطوات أكثر تشدداً مستقبلاً.

تصاعد العنف يعيد الملف

منذ اندلاع حرب غزة، شهدت الضفة الغربية حالة من التصعيد شبه اليومي، مع توسّع عمليات الجيش الإسرائيلي وتصاعد هجمات المستوطنين الإسرائيليين ضد القرى الفلسطينية، وسط اتهامات متزايدة بارتكاب اعتداءات شملت حرق منازل ومزارع وتنفيذ هجمات منظمة ضد السكان الفلسطينيين.

هذا الواقع الميداني أحدث حالة من الإحراج المتزايد داخل أوروبا، خصوصاً أن الاتحاد الأوروبي ظلّ لعقود يكرر موقفه الرافض للاستيطان باعتباره مخالفاً للقانون الدولي، من دون أن يترجم تلك المواقف إلى إجراءات عملية.

لكن التطورات الإقليمية الأخيرة دفعت الملف إلى مستويات أكثر حساسية. فاندلاع المواجهة بين إسرائيل وإيران في الـ 28 من فبراير/شباط الماضي لم يؤدِ فقط إلى توسيع نطاق التوتر الإقليمي، بل أسهم أيضاً في رفع مستوى القلق الأوروبي من احتمالات انفجار شامل في المنطقة، تكون الضفة الغربية إحدى ساحاته الرئيسة.

ومن هنا، بدأت تتبلور داخل بروكسل قناعة متزايدة بأن استمرار التوسع الاستيطاني والعنف المرتبط به لم يعد مجرّد ملف سياسي قابل للاحتواء عبر البيانات، بل بات يُنظر إليه كعامل تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي وفرص التسوية المستقبلية.

معسكر أوروبي داعم للعقوبات

التحول الأوروبي لم يحدث بصورة مفاجئة، إنما جاء نتيجة تراكم سياسي قادته مجموعة من الدول الأوروبية التي تبنّت خلال الأشهر الماضية خطاباً أكثر تشدداً تجاه الحكومة الإسرائيلية، وفي مقدمتها إسبانيا وبلجيكا وإيرلندا وسلوفينيا وهولندا، إضافة إلى مواقف داعمة من السويد وفرنسا.

دفعت هذه الدول تدريجاً نحو الانتقال من مرحلة الإدانات السياسية إلى مرحلة المساءلة، معتبرة أن غياب أي تكلفة حقيقية للاستيطان أسهم في تمدده وتحوله إلى سياسة أكثر عنفاً وتشدداً.

وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو إن الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات على “المنظمات الإسرائيلية الرئيسة المذنبة بدعم الاستعمار المتطرف والعنيف للضفة الغربية وقياداتها”، مؤكداً أن “هذه الأعمال البالغة الخطورة وغير المقبولة يجب أن تتوقف فوراً”.

كما طالبت وزيرة الخارجية السويدية ماريا مالمر ستينرغارد باتخاذ خطوات أشد صرامة، تشمل فرض عقوبات على وزراء إسرائيليين متهمين بالتحريض على سياسات الاستيطان، في حين تحدثت نظيرتها الإيرلندية هيلين ماكنتي عن “تحول واضح جداً” في مواقف الحكومات الأوروبية خلال الأسابيع الأخيرة.

سقوط الفيتو الهنغاري

طوال الفترة الماضية، مثّلت هنغاريا رأس المعسكر الأوروبي المعارض لأي خطوات عقابية ضد إسرائيل، مدعومة بمواقف أكثر تحفظاً من بعض دول وسط وشرق أوروبا، التي فضّلت تجنّب أي مواجهة سياسية مباشرة مع تل أبيب.

واستخدم رئيس الوزراء الهنغاري السابق فيكتور أوربان علاقته الوثيقة مع حكومة بنيامين نتنياهو لتعطيل جميع المحاولات الأوروبية السابقة، مستغلاً قاعدة الإجماع المطلوبة داخل الاتحاد الأوروبي لتمرير العقوبات والسياسات الخارجية الحسّاسة.

غير أن التغيير السياسي الذي شهدته بودابست بعد فوز بيتر ماجيار أزال عملياً آخر العقبات أمام القرار الأوروبي، وسمح بتمرير أول توافق من هذا النوع منذ سنوات.

وقبيل انعقاد الاجتماع، صرّحت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس بأنها تتوقع التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن العقوبات، وبأن “الوقت قد حان للانتقال من الجمود إلى الفعل”.

إسرائيل أمام أوروبا جديدة

الرد الإسرائيلي جاء سريعاً وغاضباً. فقد اعتبر وزير الخارجية جدعون ساعر أن الاتحاد الأوروبي “اختار بصورة تعسفية وسياسية فرض عقوبات على مواطنين وكيانات إسرائيلية بسبب آرائهم السياسية، من دون أي أساس قانوني”.

واتهم ساعر الاتحاد الأوروبي بإقامة “معادلة أخلاقية” بين المستوطنين ومقاتلي “حماس” عبر إدراج العقوبتين ضمن حزمة واحدة، مؤكداً أن إسرائيل “ستواصل الدفاع عن حق اليهود بالاستيطان في أرض أجدادهم”.

بعيداً عن السجال السياسي، يبدو أن ما حدث في بروكسل يعكس بداية إعادة تموضع أوروبي أوسع تجاه ملف الاستيطان، وانتقالاً تدريجياً من سياسة التحذيرات الدبلوماسية إلى اختبار أدوات ضغط أكثر مباشرة، في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، قد تدفع أوروبا مستقبلاً إلى الذهاب أبعد مما فعلته اليوم.