بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

حرية الاعتقاد والامتياز الديني

أموال مقدسة وضرائب دنيوية: كيف تستخدم المؤسسات الدينية أدوات الدولة للسيطرة على المجال العام؟

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

لا تحتاج المؤسسات الدينية دائماً إلى سلطة سياسية مباشرة كي تؤثر في المجال العام؛ أحياناً يكفيها نظام ضريبي، إعفاء قانوني، محكمة أحوال شخصية، أو أصل عقاري مُحصّن من الرقابة. خلف هذا التشابك بين المال والعقيدة والقانون، يبرز اختبار قديم بصيغة جديدة: هل تستطيع الدولة أن تكون مُحايدة وهي تمنح بعض المؤسسات الدينية أدواتها المالية والتشريعية؟

المشكلة ليست في وجود مؤسسات دينية، ولا في حق المؤمنين في تمويل دور العبادة أو تنظيم شؤونهم الداخلية. جوهر المسألة أن بعض هذه المؤسسات تستفيد من أدوات الدولة، كالجباية والتشريع والإعفاء الضريبي والتعليم والقضاء، مع أنها لا تخضع دائماً لمستوى الشفافية والمساءلة المفروض على مؤسسات مدنية تتلقى المال العام أو تؤثر في الحقوق العامة. هنا يظهر التوتر الحقيقي: كيف يمكن لدولة حديثة أن تضمن حرية الاعتقاد، وفي الوقت نفسه تمنع تحوّل الامتياز الديني إلى نفوذ مالي وتشريعي غير خاضع للرقابة؟

النموذج الأوروبي 

في أوروبا، التي تُقدَّم غالباً بوصفها نموذجاً للفصل بين الدين والسياسة، يكشف الواقع عن ترتيبات أكثر تعقيداً. ألمانيا، مثلاً، لا تمول الكنائس مباشرة بالطريقة التقليدية، لكنها تمنحها إطاراً جبائياً بالغ الأهمية من خلال ضريبة الكنيسة (Kirchensteuer)، التي تُحسب عادة بنسبة 8% أو 9% من ضريبة الدخل أو الأجر، وتعمل مكاتب الضرائب الحكومية على تحصيلها ثم تحويلها إلى الكنائس مقابل رسوم تدفعها الأخيرة للدولة. أي أن ألمانيا لا تفرض الإيمان، لكنها تتيح بنيتها الضريبية لخدمة مؤسسات دينية بعينها.  

هذا النموذج لا يعني أن كل المواطنين يدفعون للكنائس، فالضريبة ترتبط بالعضوية الدينية الرسمية. لكنه يطرح سؤالاً أوسع: هل مُجرد استخدام جهاز الدولة الجبائي يمنح المؤسسة الدينية ثقلاً عاماً يتجاوز صفتها الروحية؟

في العام 2023، أعلنت الكنيسة الإنجيلية في ألمانيا أن صافي حصيلتها من ضرائب الكنيسة بلغ نحو 5.9 مليار يورو، رغم تراجع العضوية بنسبة 3.1% عن العام السابق. هذا الرقم، بحد ذاته، يوضح أن المسألة ليست رمزية، بل تتعلق بموارد مالية ضخمة تتيح للمؤسسات الدينية تشغيل شبكات واسعة في التعليم والرعاية والصحة والعمل الاجتماعي.

لا ينتهي أثر الامتياز الديني عند التمويل؛ فالعمل في مؤسسات تابعة للكنائس، مثل المستشفيات والمدارس ودور الرعاية، أثار لسنوات أسئلة حول ما إذا كان الموظفون خاضعين لقواعد العمل العامة أم لقواعد الولاء الديني؟ في قضية شهيرة تعود للعام 2018، نظرت محكمة العدل الأوروبية في فصل طبيب كاثوليكي من منصب إداري في مستشفى كاثوليكي بألمانيا بسبب زواجه مدنياً بعد طلاقه. ورأت المحكمة أن هذا الفصل قد يشكل تمييزاً على أساس الدين إذا لم يكن الالتزام بالمفهوم الكنسي للزواج شرطاً مهنياً حقيقياً ومشروعاً وضرورياً لطبيعة العمل.  

الإشكالية لا تقتصر على ألمانيا. ففي إيطاليا، فتحت إعفاءات ضريبية بمئات الملايين من اليوروهات لعقارات مرتبطة بمؤسسات كنسية نقاشاً طويلاً حول الحدود بين النشاط الديني والنشاط الاقتصادي. 

في معظم الدول، تتمتع الجمعيات الخيرية والتعليمية بإعفاءات مختلفة، سواء كانت دينية أو غير دينية. لكن الفارق الحاسم يكمن في معيار الاستخدام: هل الأصل العقاري أو المالي يخدم غرضاً خيرياً واضحاً؟ أم يُدار كنشاط اقتصادي ينافس السوق بينما يستفيد من حصانة ضريبية مصدرها المكانة الدينية؟ عندما يغيب هذا التمييز، تتحول الإعفاءات من حماية لحرية العبادة إلى أداة تشوه المنافسة وتضعف العدالة الضريبية.

في فرنسا، النموذج أكثر صرامة. إذ ينص قانون 1905، بشأن فصل الكنائس عن الدولة، على أن الجمهورية تكفل حرية ممارسة الشعائر الدينية ضمن مقتضيات النظام العام، من دون الاعتراف أو دعم أو تمويل أي عبادة. مع ذلك، لم يخلو النموذج الفرنسي من الاستثناءات التاريخية والإدارية، لكنه يظل مرجعاً مهماً لفكرة حياد الخزينة العامة تجاه الأديان.  

النموذج الشرق أوسطي

تأخذ العلاقة في الشرق الأوسط شكلاً مختلفاً. في دول عدة، لا يظهر التشابك عبر “ضريبة كنيسة” بالمعنى الأوروبي، بل عبر وزارات الأوقاف والشؤون الدينية، ومجالس إفتاء، ومؤسسات تعليم ديني، ومحاكم أحوال شخصية، وشبكات أوقاف وممتلكات دينية.

هنا لا تكون الدولة مُجرد محصل مالي، بل تصبح في أحيان كثيرة شريكاً مباشراً في إنتاج الخطاب الديني وتنظيمه وتمويله. هذا التداخل قد يُقدَّم باعتباره وسيلة لضبط المجال الديني ومنع الفوضى أو التطرف، لكنه يخلق في المقابل مشكلة مزدوجة: الدولة تمول أو ترعى خطاباً دينياً محدداً، ثم تطلب من المواطنين جميعاً التعامل معه كجزء من النظام العام.

تتضح آثار هذا التداخل أكثر في قوانين الأحوال الشخصية. ففي بلدان مثل لبنان، لا يخضع الزواج والطلاق والحضانة والإرث لمنظومة مدنية موحدة، بل تتوزع هذه الملفات على قوانين ومحاكم دينية متعددة. “هيومن رايتس ووتش” وثّقت أن لبنان يملك 15 قانوناً منفصلاً للأحوال الشخصية للطوائف المعترف بها، من دون قانون مدني يغطي مسائل مثل الطلاق وحقوق الملكية ورعاية الأطفال، وأن هذه القوانين تُدار عبر محاكم دينية تتمتع باستقلال واسع ورقابة حكومية محدودة. 

هذه ليست مسألة إدارية فقط؛ فعندما تُحال قضايا الأسرة إلى محاكم دينية، تصبح حقوق المواطنين، وخصوصاً النساء والأطفال، مرتبطة بانتمائهم الطائفي لا بمبدأ المساواة أمام القانون. قد تختلف التفاصيل بين طائفة وأخرى وبين بلد وآخر، لكن النتيجة العامة واحدة: المواطن لا يقف دائماً أمام قانون مدني مشترك، بل أمام نظام قانوني موزع حسب الهوية الدينية. وهذا ينتج “مواطنة مجزأة”، يكون فيها نطاق الحقوق مرتبطاً بالجماعة التي ينتمي إليها الفرد، لا بصفته مواطناً كاملاً.

النموذج الأمريكي

تظهر المشكلة أيضاً في قوانين ازدراء الأديان أو تجريم الإساءة إلى المقدسات. وقد خلص تقرير اللجنة الأمريكية للحريات الدينية الدولية إلى أن قوانين التجديف أو ازدراء الدين موجودة في عشرات الدول، وأن نسبة كبيرة منها تُطبق في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مع عقوبات تتراوح بين الغرامة والسجن وأحياناً تكون أشد. 

الخطر هنا ليس في حماية السِّلم الأهلي من التحريض المباشر، فهذا هدف مشروع، بل في استخدام صيغ فضفاضة لمعاقبة الرأي أو البحث أو النقد الفكري.

من زاوية اقتصادية، تكمن المشكلة الكبرى في الشفافية. المؤسسات الدينية قد تدير أوقافاً، عقارات، مدارس، مستشفيات، صناديق خيرية، وموازنات ضخمة. لكن مستوى الإفصاح المالي يختلف جذرياً بين دولة وأخرى، بل بين مؤسسة وأخرى داخل البلد نفسه. بعض المؤسسات تنشر ميزانيات وتقارير مفصلة، وبعضها يعمل ضمن مناطق رمادية يصعب فيها تتبع الإيرادات والمصروفات وطبيعة الأصول. وعندما تكون الأموال ناتجة عن تبرعات خاصة صرفة، تبقى الحاجة إلى الشفافية قائمة لحماية المتبرعين. أما عندما ترتبط الأموال بإعفاءات أو جباية أو دعم عام، تصبح الشفافية واجباً عاماً لا خياراً مؤسسياً.

من هنا، لا يكفي القول إن الدين شأن خاص أو إن الدولة يجب أن تبقى محايدة. الحياد لا يتحقق بالشعارات، بل بالهندسة المالية والقانونية. أول خطوة هي فصل ما يندرج تحت العبادات والعمل الخيري عن ما هو استثماري وتجاري. دور العبادة والأنشطة الرعوية المباشرة يمكن أن تخضع لنظام خاص يحمي حرية الممارسة. أما المدارس الربحية والمستشفيات والفنادق والعقارات التجارية والاستثمارات الواسعة، فينبغي أن تخضع لقواعد الضرائب والمنافسة والإفصاح مثل أي كيان آخر.

حلول عملية

أولاً،  يجب أن يكون التمويل العام مشروطاً بالرقابة العامة. أي مؤسسة دينية تتلقى دعماً من الموازنة، أو تستفيد من تحصيل حكومي، أو تدير أصولاً ذات وضع قانوني خاص، يجب أن تنشر حسابات سنوية مدققة، وتوضح مصادر دخلها وأوجه إنفاقها، وتفصل بين النشاط الدعوي والنشاط الاجتماعي أو التجاري. 

ثانياً، لا ينبغي أن يكون التدقيق المالي تدخلاً في العقيدة، بل ضمانة لعدم استخدام المال العام خارج غرضه المشروع.

أما الخطوة الثالثة، فهي إعادة بناء قوانين الأحوال الشخصية على أساس مدني. يمكن للدولة أن تتيح لمن يرغب الاحتكام إلى تقاليد دينية في مراسم الزواج أو الطلاق، لكن الحقوق الأساسية يجب أن تكون محمية بقانون مدني موحد أو على الأقل بخيار مدني كامل ومتاح وفعلي

الخطوة الرابعة، هي تضييق قوانين ازدراء الأديان بحيث لا تُستخدم ضد النقد أو البحث أو التعبير السلمي. الحماية القانونية يجب أن تركز على منع التحريض المباشر على العنف والكراهية ضد الأفراد والجماعات، لا على حماية الأفكار من النقاش. الدولة التي تعاقب النقد باسم حماية المقدس تخاطر بتحويل القانون إلى أداة رقابة فكرية.

القضية ليست حرباً بين الدين والدولة، ولا دعوة إلى إخراج الإيمان من المجتمع. القضية هي منع امتزاج السلطة الروحية بالامتياز المالي والقانوني على نحو يضعف مبدأ المواطنة المتساوية.