بعيدًا عن البدايات البروتوكولية المعتادة، حرص الرئيس إيمانويل ماكرون على أداء رقصة “هاكونا ماتاتا” الكينية، والجلوس مع شباب من طلاب الجامعات المحلية البعيدين عن الثقافة الفرنسية، كجزء من مشاركته في قمة “إفريقيا إلى الأمام” التي انطلقت في نيروبي، الاثنين، بعد سنوات من الرفض الشعبي الواسع لسياسات فرنسا في معاقل نفوذها التقليدية في بلدان الساحل، ووسط تحولات كبيرة في القارة وتنافس محتدم بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا. فما هي استراتيجية باريس الجديدة في إفريقيا؟ وماذا يريد الأفارقة من فرنسا؟
اكتسبت قمة “إفريقيا إلى الأمام” في نيروبي أهميتها لكونها الأولى من نوعها خارج إفريقيا الناطقة بالفرنسية، إذ تشير إلى محاولة لإعادة ضبط العلاقات بعد سنوات من التوتر السياسي في أجزاء من غرب ووسط القارة السمراء.
تُعد استضافة فرنسا لهذا الاجتماع، بالشراكة مع كينيا، بمثابة اعتراف بضرورة انخراطها سياسيًا في إفريقيا بما يتجاوز شبكاتها التقليدية. وكشف ماكرون، في افتتاح الحدث، الذي يضم قادة 30 دولة، عن استراتيجية تقوم على إبرام صفقات استثمارية وشراكات اقتصادية جديدة. وقال، جمعت قمة “إفريقيا إلى الأمام” 23 مليار يورو (27.11 مليار دولار) من الاستثمارات للقارة”. معلناً في الوقت ذاته عن استثمارات فرنسية ضخمة في مجالات البنية التحتية، من بينها 820 مليون دولار لتحديث ميناء ممباسا الكيني، الذي تعتمد عليه عدة دول في شرق إفريقيا في صادراتها ووارداتها.
ماذا يريد الأفارقة؟
في ظل نظام دولي مُجزأ تتسم فيه السياسة بالمنافسة الحادة، تعمل الدول الإفريقية على تنويع شراكاتها لتعظيم استقلالها السياسي وفرصها الاقتصادية، وربط الشركاء باحتياجاتها في مجالات الطاقة والبنية التحتية والأمن ونظم الغذاء والتنمية الرقمية.
الدكتور هيرمان مانيورا، أستاذ العلوم السياسية في جامعة نيروبي، شدد على ضرورة أن يغير الجانبان نظرتهما إلى بعضهما البعض. ويوضح لموقع “غلوبال ووتش”: “التحولات الحالية التي تشهدها الدول الإفريقية تتطلب شراكات تؤدي إلى الاستفادة المشتركة من الموارد، لا نهبها من قبل القوى الاستعمارية كما كان يحدث سابقًا”.
يضيف مانيورا قائلًا: “نقاشات قمة نيروبي حملت دلالات كبيرة على مستوى التفكير الإفريقي المتحول نحو تعزيز وكالات التنمية، وتفعيل نهج حكومي شامل يدمج التجارة والتنمية والأمن والسياسة الصناعية مع استراتيجيات التعاون الدولي القائمة على الندية”. ويرى أن القمة تعكس الاهتمام بقارة يتزايد ثقلها الجيوسياسي والاقتصادي.
التحدي الأكبر
وفقًا لمراقبين، فإن التحدي الأساسي لم يعد يكمن في عقد القمم، بل في تنفيذ الوعود التي تُقطع خلالها؛ فكثيرًا ما تُصدر القمم التي تُعقد حول إفريقيا بيانات طموحة، لكنها لا تُنفذ على أرض الواقع. وغالبًا ما تفتقر الالتزامات إلى الدعم المؤسسي، ووضوح التمويل، وآليات الرصد، ما يعزز الشكوك لدى الشركاء الأفارقة الذين سمعوا تعهدات مماثلة من قبل.
تواجه المبادرات الأوروبية صعوبة إضافية، إذ غالبًا ما تُصاغ كرد فعل، باعتبارها جهودًا لمواجهة النفوذ الصيني أو الروسي أو التركي. مع ذلك، تتعامل الحكومات الإفريقية مع الشراكات بواقعية وانطلاقًا من مصالحها.
في هذا السياق، تقول لينا كراوس، الباحثة في برنامج إفريقيا بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: “على فرنسا، إن أرادت العودة إلى البوابة الإفريقية، أن تبقى حاضرة من خلال استراتيجية جديدة تنقل سياساتها من الرمزية الاستعمارية إلى الشراكة الفعلية المستدامة”.
تشدد كراوس على أن نجاح استراتيجية فرنسا وأوروبا في القارة الإفريقية يتطلب نهجًا عمليًا في ظل التنافس الحاد مع الصين والولايات المتحدة وروسيا وتركيا واليابان والهند وإندونيسيا وكوريا الجنوبية والعديد من دول الخليج.
سياق معقد
تزامنت القمة مع سياق أمني واقتصادي معقد تشهده العديد من بلدان القارة الإفريقية، وفي ظل فراغ أمني تعيشه دول الساحل، التي كانت تشكل الحليف التقليدي لفرنسا قبل أن تطرد قواتها من أراضيها. كما تأتي في سياق عالمي جديد يتسم بالتنافس على دخول مناطق نفوذ قوى استعمارية قديمة، ومن ضمنها إفريقيا.
النفوذ الفرنسي في إفريقيا كان قد تلقى ضربة قوية بعد سلسلة من الانقلابات العسكرية التي وقعت منذ العام 2021 في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، والتي أوصلت ضباط عسكريين إلى السلطة، طردوا القوات الفرنسية واعتمدوا على أخرى روسية في مكافحة موجة الهجمات الإرهابية المتصاعدة.
وبينما أحدث الخروج الفرنسي فراغًا أمنيًا كبيرًا، خصوصًا في مالي التي تشهد اضطرابات خطيرة منذ الخامس والعشرين من إبريل/نيسان الماضي، يتزايد الاعتقاد بأن السياسات الفرنسية القديمة كانت سببًا مباشرًا في حالة الرفض الشعبي لوجودها في تلك الدول. يُذكر أنه، وقبل خروجها القسري من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، كانت فرنسا تحتفظ بنحو 8 آلاف جندي في البلدان الثلاثة لمساعدتها في مكافحة الإرهاب.
إفريقيا المثقلة بالديون
في خضم أزمة الديون التي تواجهها بلدان القارة الإفريقية، ألقى الرئيس ويليام روتو على عاتق فرنسا مهمة الدفع نحو جهود دولية تجعل النظام المالي العالمي أكثر عدلًا للدول الإفريقية المثقلة بالديون. ولم تعد باريس تملك أدوات الضغط القديمة نفسها، خصوصًا في ظل تزايد الوجود الصيني والروسي في بلدان المنطقة.
قبل الانتكاسات الأخيرة، كانت فرنسا تستحوذ على حصة كبيرة من سوق النفط والغاز في إفريقيا، تمثل 40% من إمدادات النفط الفرنسي، كما تهيمن على عملات 14 دولة إفريقية.
وبسبب هذه الهيمنة، التي يُعزى جزء منها إلى ارتباط عملات تلك الدول باليورو، تتمكن فرنسا من توجيه احتياطيات تلك الدول، إذ تحتفظ بنسبة 50% من احتياطي النقد الأجنبي الخاص بها في الخزينة الفرنسية.
في إفريقيا اليوم، لم تعد الذاكرة الاستعمارية وحدها هي ما يحدد شكل العلاقات، بل قدرة الشركاء على تقديم ما تحتاجه القارة فعلًا: استثمارات عادلة، واحترام للسيادة، وتنمية تُقاس بالأثر لا بالشعارات. وبينما تحاول باريس إعادة تقديم نفسها بوجه جديد، يبدو أن الأفارقة حسموا أولوياتهم: لا ولاء دائم في عالم المصالح، ولا مكان بعد الآن لشراكات من دون مكاسب ملموسة على الأرض.















