بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

علاقات ثنائية

السيسي وترامب يعيدان رسم التحالف المصري الأمريكي: الأمن ومكافحة الإرهاب يتقدمان على خلافات الحقوق والحريات

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تُعد العلاقات المصرية الأمريكية واحدة من أكثر الروابط الدولية تعقيداً وتشابكاً في منطقة الشرق الأوسط، إذ مرّت بمراحل متباينة تراوحت بين التحالف الاستراتيجي الوثيق والفتور والتوتر الذي وصل في بعض الأحيان إلى تجميد جزئي للمساعدات العسكرية. وقد شكلت زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأخيرة إلى واشنطن، ولقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، نقطة تحول جوهرية سعت من خلالها الولايات المتحدة إلى طي صفحة الخلافات التي سادت في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما.

هذا اللقاء لم يكن مجرّد بروتوكول دبلوماسي، بل إعلانٌ صريح عن إعادة ضبط بوصلة العلاقات نحو مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن الإقليمي، مع تقديم ترامب دعماً سياسياً غير محدود للقيادة المصرية، واصفاً السيسي بالصديق والحليف القوي، ما أعاد لمصر مكانتها كحجر زاوية للسياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة.

تقلبات كبرى في العلاقات

لفهم عمق التحول الذي أحدثه ترامب، لا بد من العودة إلى جذور الأزمة التي نشبت خلال إدارة أوباما، حيث شهدت العلاقات تدهوراً ملحوظاً عقب أحداث العام 2013، والإطاحة بحكم “جماعة الإخوان المسلمين”. في ذلك الوقت، تبنّت واشنطن موقفاً متشدداً دفعها لتجميد المساعدات العسكرية السنوية، وهو ما اعتبرته القاهرة تدخلاً في شؤونها الداخلية وقراءة خاطئة للإرادة الشعبية المصرية. هذا الفتور أدى إلى شعور الجانب المصري بضرورة تنويع مصادر السلاح والتحالفات، ما فتح الباب أمام تقارب مصري روسي ومصري فرنسي لتعويض الفراغ الأمريكي.

لكن، مع وصول ترامب إلى السلطة، تغيرت النبرة تماماً، وانتقل الخطاب من التركيز على التحول الديمقراطي كشرط للتعاون إلى التركيز على الاستقرار ومواجهة الإرهاب، وهو ما وجد فيه النظام المصري شريكاً يتفهم طبيعة التحديات الأمنية التي تواجهها البلاد، خصوصاً في ظل المعارك الضارية التي يخوضها الجيش المصري ضد الجماعات المتشددة في شبه جزيرة سيناء.

أهم تصريحات الزعيمين بالقمة

خلال اللقاء التاريخي في البيت الأبيض، عكست التصريحات حجم التقارب الشخصي والسياسي بين الرئيسين. فقد أكد ترامب دعمه المطلق لمصر، قائلاً إنه يريد أن يعلم الجميع، في حال كان هناك أي شك، أن الولايات المتحدة، وهو شخصياً، يدعمان السيسي بشكل كبير، لأنه قام بعمل رائع في ظروف صعبة للغاية.

بدوره، عبّر السيسي عن تقديره الكبير لشخصية ترامب الفريدة، مثمّناً وقوفه بقوة لمواجهة هذه الأيديولوجيا الشريرة التي تؤثر على العالم أجمع، ومؤكداً في الوقت ذاته على أن مصر ستكون مع الولايات المتحدة في خندق واحد لتنفيذ استراتيجية فعالة للقضاء على الإرهاب الذي يهدد استقرار الشعوب.

ترامب يعزز روابط التحالف

لم يتردد ترامب في الإشادة بجهود السيسي بعبارات لم تعتدها الدبلوماسية الأمريكية التقليدية تجاه القادة العرب. هذا الدعم لم يقتصر على الكلمات، بل تجلى في إنهاء حالة العزلة الدبلوماسية التي حاولت الإدارة السابقة فرضها، إذ كان السيسي أول رئيس يهنئ ترامب بفوزه في الانتخابات، كما كانت زيارته للبيت الأبيض كسراً لتقليد طويل من الجفاء الرسمي. وركزت هذه المرحلة على بناء جبهة موحدة لمواجهة التطرف، مع التأكيد في البيان المشترك على أن هزيمة المتشددين لا يمكن أن تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل تتطلب الاعتراف بالطبيعة السلمية للإسلام. انعكس هذا التوافق على ملفات إقليمية عدة، من بينها الرؤية المشتركة تجاه الأوضاع في ليبيا وسوريا، فضلاً عن السعي لإحياء عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين من منظور أمني واستراتيجي جديد يتماشى مع رؤية ترامب الإقليمية.

تحديات تواجه استقرار العلاقات

على الرغم من التناغم الظاهري بين القيادتين، إلا أن العلاقات المصرية الأمريكية لم تكن بمنأى عن التحديات العميقة التي تفرضها المؤسسات الأمريكية والمنظمات الدولية. يبرز ملف حقوق الإنسان كواحد من أكثر الملفات حساسية، حيث واجهت إدارة ترامب ضغوطاً مستمرة من الكونغرس ومنظمات حقوقية دولية تطالب بوضع شروط على المساعدات العسكرية.

وكانت قضية المواطنة المصرية الأمريكية آية حجازي، التي احتجزت لسنوات قبل أن يُفرج عنها لاحقاً، نموذجاً للاختبار الذي مرت به العلاقة خلف الكواليس. وبينما فضل ترامب عدم انتقاد السيسي علناً في هذا الملف، إلا أن السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، نيكي هيلي، أكدت مراراً على أن قيم حقوق الإنسان تظل جزءاً من أجندة واشنطن، ما أحدث نوعاً من التباين بين خطاب البيت الأبيض وتحركات المؤسسات التشريعية والحقوقية التي تقدر وجود أعداد كبيرة من السجناء السياسيين في السجون المصرية.

مستقبل الشراكة الأمنية المتينة

تظل المساعدات العسكرية السنوية البالغة 1.3 مليار دولار هي العمود الفقري لهذه العلاقة، وهي تمثل التزاماً أمريكياً طويلاً بدأ منذ توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل. وفي ظل إدارة ترامب، تأكدت أهمية هذه المساعدات ليس فقط كدعم لمصر، بل كأداة لضمان التفوق الأمني في منطقة مضطربة. فمصر تخوض حرباً استنزافية ضد تنظيمات إرهابية في سيناء، وقوة الجيش المصري تعتبر بالنسبة لواشنطن صمام أمان يمنع انهيار الدولة المصرية الذي قد يؤدي إلى كارثة إقليمية شاملة.

مع ذلك، يبقى التحدي المستقبلي في كيفية موازنة القاهرة بين حاجتها لهذا التحالف الاستراتيجي وبين الضغوط المتزايدة المتعلقة بالإصلاحات السياسية والحقوقية، خصوصاً وأن التقلبات في السياسة الأمريكية الداخلية قد تأتي بإدارات تعيد فتح ملفات الحريات العامة، ما يضع استقرار العلاقة دائماً على المحك بين المصالح الأمنية البحتة والمبادئ الديمقراطية المعلنة التي تتبناها واشنطن في خطابها العالمي.