بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تقرير اقتصادي

أزمة وقود الطائرات تعصف بالقطاع العالمي: إلغاء رحلات وارتفاع قياسي للتكاليف يهددان موسم السفر الصيفي

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

يدخل قطاع الطيران العالمي مرحلة حرجة تُعيد إلى الأذهان تداعيات جائحة “كوفيد-19″، لكن هذه المرة من بوابة الإمدادات لا الطلب، مع تفاقم أزمة حادة في وقود الطائرات إثر إغلاق مضيق “هُرمز”، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. وبينما تتسارع مؤشرات النقص، من قفزات الأسعار إلى تقليص الرحلات، يلوح في الأفق خطر أوسع يتمثل في اضطراب واسع لحركة الملاحة الجوية مع اقتراب ذروة موسم السفر الصيفي.

تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن المخزونات الأوروبية من وقود الطائرات قد تنخفض إلى مستويات حرجة خلال أسابيع، في ظل صعوبة تعويض الإمدادات المفقودة، ما يضع شركات الطيران أمام ضغوط تشغيلية ومالية متزايدة. وفي حال استمرار تعطل خطوط الإمداد، قد يجد القطاع نفسه أمام سيناريو أكثر تعقيداً، حيث تمتد تداعيات الأزمة من إلغاء الرحلات وارتفاع التكاليف إلى تأثيرات أوسع على التضخم والنمو الاقتصادي عالمياً.

نتيجة لإغلاق مضيق “هُرمز”، الشريان الحيوي لإمدادات النفط والغاز العالمية، بدأت تداعيات نقص الكيروسين بالظهور سريعاً، من ارتفاع الأسعار إلى تقليص الرحلات، وصولاً إلى سيناريو أكثر قتامة يتمثل في إيقاف الطائرات على المدرجات. وبما أننا نقترب من موسم السفر الصيفي، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة: فإما أن تنجح الجهود الدبلوماسية في إعادة فتح خطوط الإمداد، أو يدخل العالم مرحلة جديدة من الاضطراب، حيث تتحول السماء إلى ضحية مباشرة لصراعات الجغرافيا السياسية.

أزمة تتشكل.. وأفق زمني ضيق

تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن أوروبا لديها ما يكفي من وقود الطائرات لنحو ستة أسابيع، إذا لم تتمكن الأسواق من تعويض أكثر من نصف الإمدادات المفقودة بسبب تداعيات الحرب الإيرانية. وفي سيناريو أكثر تشاؤماً، قد تهبط المخزونات إلى مستوى حرج يعادل 23 يوماً فقط من الاستهلاك. وحذرت الوكالة على لسان مديرها فاتح بيرول، من احتمال إلغاء الرحلات الجوية قريباً في حال استمرار الأزمة.

هذا التحذير يعكس هشاشة بنيوية في منظومة الطاقة الأوروبية التي تعتمد على الشرق الأوسط في نحو 75% من وارداتها من وقود الطائرات، وهو أعلى مستوى اعتماد مقارنة بأي وقود نقل آخر.

لا تقتصر تداعيات الأزمة على أوروبا. فقارة آسيا، الأكثر اعتماداً على نفط الخليج، تواجه، بحسب تقديرات الوكالة، مخاطر أكبر. فيما تمتد التداعيات إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية، حيث ترتفع كلفة الطاقة بشكل غير متناسب مع قدرة هذه الاقتصادات على التحمل.

وأضاف بيرول أن العالم يواجه “أكبر أزمة طاقة شهدناها، والتأثير لن يقتصر على أسعار الوقود، بل سيمتد إلى التضخم والنمو الاقتصادي، مع ارتفاع أسعار البنزين والكهرباء والغاز”.

اختناقات لوجستية ومخزونات غير متكافئة

تكشف الأزمة عن تفاوت كبير في جاهزية الدول الأوروبية. فبينما تمتلك إسبانيا ثمانية مصافٍ وتعد مصدّراً صافياً لوقود الطائرات، تعتمد المملكة المتحدة على الواردات لتغطية أكثر من 60% من احتياجاتها. كما أن دولاً مثل النمسا وبولندا تتمتع بمخزونات مريحة، في حين تبدو أخرى مواقع أكثر عرضة للصدمات.

بالإضافة إلى الدول، تمتد تداعيات النقص إلى المطارات نفسها. إذ تشير التقديرات إلى أن العديد من المطارات، خصوصاً الصغيرة والداخلية، لا تحتفظ بمخزونات كبيرة من وقود الطائرات، ما يجعلها أول المتأثرين بأي انحسار مفاجئ. وقد حذرت جهات تشغيل مطارات أوروبية من احتمال ظهور نقص خلال ثلاثة أسابيع فقط في حال استمرار إغلاق المضيق.

تأتي هذه الأزمة في وقت تشهد فيه أوروبا تراجعاً تدريجياً في قدراتها التكريرية، نتيجة التحول نحو الطاقة النظيفة وإغلاق عدد من المصافي خلال السنوات الماضية. وهو ما أكدته وكالة الطاقة الدولية، بأن العديد من المصافي الأوروبية تعمل بطاقتها القصوى لإنتاج وقود الطائرات، ما يحد من القدرة على زيادة الإنتاج محلياً لتعويض النقص. كما أن خطط استيراد بدائل من الولايات المتحدة أو إفريقيا تواجه قيوداً لوجستية، فضلاً عن أن هذه الإمدادات لا تكفي لسد الفجوة بالكامل.

انفجارات سعرية

انعكست أزمة وقود الطائرات بسرعة على الأسعار، التي قفزت من 85 – 90 دولاراً للبرميل إلى ما بين 150 و200 دولار خلال أسابيع قليلة. وبالنظر إلى أن الوقود يمثل نحو 25% من تكاليف التشغيل لشركات الطيران، فإن هذه الزيادة تشكل ضغطاً مالياً هائلاً على القطاع.

وقد بدأت شركات الطيران العالمية في تمرير هذه التكاليف إلى المستهلكين، عبر رفع أسعار التذاكر وفرض رسوم إضافية. 

على سبيل المثال رفعت مجموعة “إير فرانس كيه إل إم” أسعار الرحلات الطويلة بنحو 50 يورو. وأعلنت ذراعها الهولندية ‌الخميس أنها ستلغي ‌160 رحلة ‌جوية في أوروبا خلال ⁠الشهر المقبل بسبب ارتفاع تكاليف الوقود. ومع ذلك، لفتت الشركة بأن الإلغاءات ⁠لن تؤثر إلا ​على ‌أقل من ‌1% من إجمالي رحلاتها الأوروبية.

وأوقفت “لوفتهانزا”، أكبر مجموعة طيران في أوروبا، عمليات شركة “سيتي لاين” التابعة لها بسبب ارتفاع أسعار وقود الطائرات جراء الحرب في الشرق الأوسط، والتكاليف التي تكبدتها في ضوء التحركات النقابية.

بدورها، زادت كل من “كاثاي باسيفيك” و”هونغ كونغ إيرلاينز” رسوم الوقود بنحو 34% على جميع الرحلات. كما أعلنت الخطوط الجوية الهندية أنها ستراجع رسوم الوقود الإضافية من رسوم ثابتة للرحلات الداخلية إلى نظام يعتمد على المسافة.

في الولايات المتحدة، صرّحت “ألاسكا إير” و”أميركان إيرلاينز” و”دلتا إيرلاينز”، وغيرها، بزيادة رسوم الحقائب المسجلة وتقليص السعة التشغيلية، مع توقعات سابقة بارتفاع نفقات الربع الأول بسبب جموح أسعار الوقود.

ورفعت شركة “تشاينا إيسترن إيرلاينز” الصينية رسوم الوقود الإضافية بمقدار 9 دولارات على الرحلات الداخلية التي تبلغ مسافتها 800 كيلومتر أو أقل، و18 دولاراً على الرحلات التي تزيد مسافتها عن 800 كيلومتر.

بين التخطيط والقيود

في مواجهة هذه التحديات، تعمل المفوضية الأوروبية على إعداد حزمة إجراءات طارئة تشمل: رسم خريطة شاملة لقدرات التكرير في الاتحاد الأوروبي، ضمان تشغيل المصافي بكامل طاقتها، دراسة آليات مشتركة لشراء وقود الطائرات، بالإضافة إلى تحسين مراقبة المخزونات وتدفق الإمدادات.

ورغم أن الاتحاد الأوروبي يفرض على أعضائه الاحتفاظ بمخزونات نفطية تعادل 90 يوماً من الاستهلاك، فإن هذه القاعدة لا تتضمن متطلبات محددة لوقود الطائرات، ما يحد من فعاليتها في مواجهة الأزمة الحالية.

تكشف الأزمة مُجدداً عن الأهمية الاستراتيجية لمضيق “هُرمز”، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية. وقد أدى إغلاقه إلى احتجاز أكثر من 110 ناقلات نفط و15 ناقلة غاز طبيعي مسال في الخليج، ما يفاقم أزمة الإمدادات.

ولا تقتصر المخاطر على الحاضر، فاستعادة مستويات الإنتاج السابقة قد تستغرق ما يصل إلى عامين، نتيجة الأضرار التي لحقت بأكثر من 80 منشأة طاقة في المنطقة، ثلثها تعرض لدمار شديد.

تداعيات اقتصادية أوسع

في غضون ذلك، تمتد آثار أزمة نقص الوقود إلى ما هو أبعد من قطاع الطيران، لتشمل ارتفاع معدلات التضخم عالمياً، وزيادة تكاليف النقل والشحن، وتباطؤاً مُحتملاً في النمو الاقتصادي، فضلاً عن ضغوط أكبر على الدول النامية الأكثر اعتماداً على واردات الطاقة.

كما تكشف عن مفارقة عميقة في سياسات الطاقة العالمية. فمن جهة، تسعى الدول إلى تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة، ما أدى إلى تقليص الاستثمارات في التكرير. ومن جهة أخرى، لا يزال الاقتصاد العالمي، وخاصة قطاع الطيران، يعتمد بشكل كبير على الوقود الأحفوري، ما يجعله عرضة لصدمات جيوسياسية حادة.

لا تمثل أزمة نقص وقود الطائرات مجرد تحدٍ تشغيلي لشركات الطيران، بل هي اختبار لقدرة الاقتصاد العالمي على التكيف مع صدمات الطاقة في عالم يتسم بترابط شديد واعتماد متبادل.