وقّع حاكم فلوريدا رون ديسانتيس قانوناً جديداً يمنح سلطات الولاية صلاحيات مباشرة لتصنيف جماعات” إرهابية”، في خطوة يرى مراقبون أنها تعزز أدوات تطويق جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها تنظيم الإخوان المسلمين، ضمن توجه أمريكي متصاعد لتقييد الشبكات المرتبطة بالتطرف، وسط جدل دستوري حول حدود هذه الصلاحيات وتأثيرها على حرية التعبير.
يمنح القانون سلطات تنفيذية في الولاية، تشمل الحاكم ومفوض إنفاذ القانون، حق إدراج أي منظمة ضمن قوائم الإرهاب على المستوى المحلي، مع ما يترتب على ذلك من تفكيكها قانونياً، وتجميد أصولها، وقطع أي دعم حكومي عنها، إضافة إلى فرض قيود مباشرة على الأفراد المرتبطين بها، بما في ذلك داخل المؤسسات التعليمية.
يأتي هذا القانون في سياق أوسع من التوتر المتزايد في الولايات المتحدة بين متطلبات الأمن القومي وحماية الحقوق المدنية، خاصة منذ هجمات 11 سبتمبر 2001 وما تبعها من تشريعات. ومع عودة الخطاب السياسي الحاد في السنوات الأخيرة، خصوصاً خلال إدارة ترامب، تصاعدت محاولات تصنيف جماعات أو حركات سياسية على أنها متطرفة أو معادية للدولة. في هذا السياق، برزت خلافات حادة حول تعريف “التطرف”، خاصة فيما يتعلق بالحركات المؤيدة للقضية الفلسطينية أو المنتقدة للسياسات الأمريكية والإسرائيلية.
تداخل الصلاحيات ومخاوف دستورية
يفتح قرار فلوريدا جبهة قانونية جديدة، إذ ينقل جزءاً من سلطة التصنيف إلى مستوى الولاية، وهو ما يثير تساؤلات حول تعارض محتمل مع الاختصاص الفيدرالي الحصري في قضايا الأمن القومي والعلاقات الخارجية.
وتحذر منظمات حقوقية، بينها مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير)، من أن اتساع تعريف “التطرف” في القانون قد يؤدي إلى استهداف نشاطات سياسية أو طلابية، معتبرة أن النصوص الحالية قد تُستخدم لتقييد حرية التعبير أو التجمع، وهي حقوق محمية بموجب التعديل الأول للدستور الأمريكي.
كان القضاء الأمريكي قد أوقف سابقاً أمراً تنفيذياً لديسانتيس حاول تصنيف المجلس ذاته منظمة إرهابية أجنبية، ما يعزز احتمالات الطعن في القانون الجديد أمام المحاكم، في اختبار جديد للتوازن الدقيق بين متطلبات الأمن ومبادئ الحريات المدنية.
كما حذرت منظمة “بن أمريكا” (PEN America) من أن القانون “قد يُقيّد حرية التعبير من خلال ممارسة ضغوط غير مسبوقة على الأفراد لتجنب التحدث أو التنظيم أو التفاعل مع وجهات نظر معينة”.
الجامعات في قلب العاصفة
يشكّل استهداف الطلاب أحد أكثر جوانب القانون حساسية. فالجامعات الأمريكية لطالما اعتُبرت فضاءً للنقاش الحر وتبادل الأفكار، حتى تلك المثيرة للجدل. والبند الذي ينص على طرد الطلاب من المؤسسات التعليمية، إذا ثبت أنهم روّجوا لتلك المنظمات، هو تعبير فضفاض قد يشمل أنشطة مثل المشاركة في مظاهرات أو نشر آراء على وسائل التواصل الاجتماعي.
غير أن هذا القانون قد يدفع إدارات الجامعات إلى اتخاذ إجراءات استباقية لتجنّب الصدام مع السلطات، مثل فرض قيود على الأنشطة الطلابية أو مراقبة الخطاب داخل الحرم الجامعي. وهذا قد يؤدي إلى تراجع دورها كمراكز للحوار النقدي البنّاء.
تشريعات مشابهة واتجاهات مقلقة
فلوريدا ليست وحدها في هذا المسار. فقد اتخذت ولايات أخرى، مثل تكساس، خطوات مشابهة لتصنيف منظمات مدنية إرهابية، وهو ما أثار موجة من الدعاوى القضائية.
يدافع دي سانتيس عن القانون بوصفه أداة ضرورية لمكافحة التطرف وضمان “المساءلة” داخل المؤسسات التعليمية. وقد شنت إدارة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب وبعض الولايات التي يحكمها الجمهوريون حملة قمع ضد المنظمات اليسارية والجماعات المؤيدة للفلسطينيين التي وصفوها بالمتطرفة والمعادية للسامية ولأمريكا.
إلا أن توقيت القانون وسياقه يثيران تساؤلات حول ما إذا كان جزءاً من خطاب سياسي أوسع يستهدف قواعد انتخابية محافظة، خاصة في ظل تصاعد الاستقطاب الحزبي في الولايات المتحدة. كما أن الربط بين بعض أشكال النشاط السياسي، مثل دعم القضية الفلسطينية، وبين التطرف، يعكس تحوّلاً في تعريف الأمن القومي ليشمل مواقف سياسية، وليس فقط تهديدات عنيفة.
الإخوان المسلمون في دائرة الجدل
على مستوى جماعة الإخوان المسلمين، لم تعتمد الولايات المتحدة حتى الآن تصنيفاً فيدرالياً شاملاً لها كمنظمة إرهابية، إلا أن الجدل حول ذلك تصاعد خلال السنوات الماضية، خاصة في الكونغرس، حيث طُرحت عدة مشاريع قوانين منذ عام 2015 تدعو لإدراج الجماعة ضمن قوائم الإرهاب، استناداً إلى ارتباطات مزعومة لبعض فروعها بحركات مصنفة.
في المقابل، تتعامل واشنطن مع عدد من الكيانات المرتبطة أو المتفرعة عن الإخوان بشكل منفصل، حيث تم تصنيف بعض الفروع أو الجماعات المرتبطة بها كمنظمات إرهابية، وفق تقارير وزارة الخارجية ووزارة الخزانة، التي تشير إلى استخدام شبكات مالية وخيرية كغطاء لنشاطات محظورة في بعض الحالات.
كما كثّفت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بالتعاون مع حلفاء إقليميين، جهود مراقبة التمويل العابر للحدود، خاصة في مناطق الشرق الأوسط وإفريقيا، حيث تنشط جماعات متداخلة أيديولوجياً مع الإسلام السياسي، في إطار استراتيجية أوسع لمكافحة التطرف العنيف.
بينما تسوّق فلوريدا قانونها الجديد كأداة لحماية الأمن ومواجهة التطرف، يرى منتقدوه أنه قد يتحول إلى سابقة خطيرة تعيد تعريف التوازن بين الأمن والحريات في الولايات المتحدة. وبين هذين المسارين، يبقى الحسم النهائي بيد القضاء، في معركة تبدو مرشحة لأن تتجاوز حدود الولاية إلى نقاش وطني أوسع حول مستقبل حرية التعبير في أمريكا.















