كشف تقرير حكومي إسرائيلي جديد عن الاختراق الملحوظ لأيديولوجيا جماعة الإخوان المسلمين المتطرفة داخل أوروبا، وذلك عبر شبكة واسعة من المنظمات والنشطاء تعمل وفق أجندة تنظيمية مرنة تعتمد على الروابط الفكرية أكثر من الارتباط التنظيمي المباشر.
يستعرض التقرير، الصادر عن وزارة شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية الإسرائيلية، عشرات الشخصيات والمؤسسات المرتبطة بالفرع الأوروبي للجماعة، مشيراً إلى أن هذه الشبكة تعمل بصورة “مستقلة نسبياً” عن القيادة التقليدية في الشرق الأوسط، لكنها تشترك معها في الأهداف الفكرية والاستراتيجية. محذراً في الوقت ذاته من أن هذا النشاط يشكل تهديداً متزايداً للمجتمعات الأوروبية، وتحدياً للنظم الديمقراطية الغربية.
تحذيرات من “واجهة الاعتدال”
حذّر وزير شؤون الشتات، عميحاي شيكلي، من أن تجاهل نشاط الإخوان المسلمين في أوروبا قد تكون له تبعات أمنية خطيرة. وقال: “من يغض الطرف اليوم سيدفع الثمن غداً، سواء بأمن مواطنيه أو بحياة اليهود. الإخوان ليسوا حركة مجتمع مدني، بل قناة للتطرف والإرهاب في قلب أوروبا، وعلى القارة أن تستيقظ”.
بدوره، علّق المدير العام للوزارة، آفي كوهين سكالي، بأن جماعة الإخوان المسلمين تنشط في أوروبا عبر أساليب خادعة تعكس في ظاهرها صورة معتدلة وبراغماتية، لكنها تُروج في الواقع لأهداف أيديولوجية خطيرة. مشيراً إلى أن التنظيم، رغم خطابه العلني المعتدل، يرفض مبادئ الديمقراطية الليبرالية والقيم الغربية التي تتعارض مع طموحاتها الراديكالية، بما في ذلك السعي إلى أسلمة أوروبا.
وسلط التقرير الضوء على المجالات الرئيسية التي ينشط فيها الإخوان في أوروبا، ومن أبرزها: تصعيد الخطاب التحريضي عبر حملات تنظيمية مكثفة، تأجيج التطرف لدى بعض الأوساط المسلمة من خلال تفسيرات متشددة للنصوص الدينية، دعم أو تبرير وجود جماعات مصنفة إرهابية، فضلاً عن استضافة شخصيات متشددة في فعاليات عامة، ونزع الشرعية عن إسرائيل في الخطاب السياسي والإعلامي.
نموذج تنظيمي لا مركزي
أشارت الوزارة إلى أن هيكل الجماعة في أوروبا يعتمد على اللامركزية التنظيمية، حيث تعمل المؤسسات المحلية بشكل مستقل مع الحفاظ على المعتقدات المشتركة. مستشهدة بتصريح أدلى به محمد عاكف، المرشد العام السابق للجماعة في مصر، قال فيه: “لا نملك تنظيماً دولياً مركزياً، بل تنظيماً قائماً على الفكرة… نحن موجودون في كل بلد يوجد فيه من يؤمن برسالة الإخوان”.
كما نقل التقرير عن محمد حبيب، النائب الأول السابق لمرشد الجماعة، قوله عام 2008: “إن الكيانات المرتبطة بالإخوان المسلمين حول العالم تشترك في المبادئ والأهداف، لكنها تعمل وفق ظروف وسياقات مختلفة”.
مراكز النشاط الرئيسية في أوروبا
حدد التقرير خمسة كيانات أساسية تشكل العمود الفقري لشبكة الإخوان المسلمين في أوروبا، يؤدي كل منها وظيفة مختلفة، وغالباً ما تتشارك في القيادة:
- مجلس مسلمي أوروبا (CEM)
يُعد مجلس مسلمي أوروبا المظلة الرئيسية لهذه الشبكة، وكان يُعرف سابقاً باسم اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (FIOE) قبل إعادة تسميته عام 2020.
- المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث (ECFR)
أسسه يوسف القرضاوي، ويُصدر فتاوى دينية تهدف إلى توجيه المسلمين المقيمين في أوروبا بشأن التوفيق بين الشريعة والقوانين المدنية.
- منتدى المنظمات الشبابية والطلابية (FEMYSO)
يضم في بنيته القيادية شخصيات تنتمي إلى عائلات محورية في الحركة الإخوانية الدولية. بممثلين من 32 منظمة عضو في 22 دولة أوروبية، يجسد المنتدى رؤية التنظيم العالمية الرامية إلى تعزيز الروابط العابرة للحدود.
- المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية (IESH)
شبكة من المؤسسات التعليمية في فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وفنلندا، تُدرِّب الأئمة وعلماء الدين، وتُروّج لتفسير إسلام يتماشى مع فكر جماعة الإخوان المسلمين. حرّضت على التمييز والكراهية والعنف ضد فئات مختلفة في المجتمع.
- مؤسسة أوروبا الخيرية (Europe Trust)
تدير شبكة استثمارات عقارية في القارة الأوروبية لتوفير التمويل لبقية المؤسسات المرتبطة بالشبكة.
منظمات خيرية مُثيرة للجدل
تناول التقرير منظمة “إنتربال” البريطانية، التي انخرطت في إنكار المحرقة النازية والترويج للتطرف الإسلامي، وصنفتها الولايات المتحدة وبريطانيا كياناً مرتبطاً بالإرهاب.
كما تطرق إلى عدد من المؤسسات الخيرية المرتبطة بالتنظيم، مثل: “اتحاد الخير”، و”مؤسسة الأقصى”، و”الإغاثة الإسلامية العالمية”. وبأن إسرائيل حظرت الأخيرة عام 2014 بعد تقارير استخباراتية عن ارتباطها بتمويل “حماس”، فيما صنفتها الإمارات العربية المتحدة في العام نفسه منظمة إرهابية بسبب صلاتها بالجماعة.
شبكة تنظيمية مرنة
في المجمل، يرسم التقرير صورة لشبكة تنظيمية مرنة تعمل عبر مؤسسات دينية وخيرية وتعليمية وشبابية تنتشر في عدد من الدول الأوروبية، مستفيدة من نموذج لامركزي يسمح بالحفاظ على الروابط الفكرية مع جماعة الإخوان المسلمين دون ارتباط تنظيمي مباشر.
بينما تحذر الجهات الإسرائيلية من أن هذا النمط من النشاط يمثل تحدياً متزايداً للأنظمة الديمقراطية في أوروبا، يبقى الجدل مفتوحاً داخل القارة حول طبيعة هذه الشبكات وحدود تأثيرها السياسي والديني في المجتمعات الأوروبية خلال السنوات المقبلة.















