بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تحليل اقتصادي

من الفحم إلى الشمس.. كيف تُعيد الطاقة المتجددة رسم خريطة مستقبل الاقتصاد العالمي؟

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

لم يعد التحول في نظام الطاقة العالمي مجرد طموح بيئي أو شعار سياسي، بل أصبح واقعاً اقتصادياً وجيوسياسياً تتسارع وتيرته بوتيرة غير مسبوقة. وتكشف التقارير السنوية، مثل «توقعات الطاقة العالمية» و«الطاقة المتجددة»، الصادرة عن الوكالة الدولية للطاقة، عن ملامح نظام طاقة جديد ترتفع فيه حصة المصادر النظيفة إلى موقع مهيمن، فيما يقترب الطلب على الوقود الأحفوري من ذروته التاريخية.

تشير هذه التحولات إلى دخول الاقتصاد العالمي مرحلة يصبح فيها التحول الأخضر محركاً أساسياً للنمو، وأداة لتعزيز أمن الطاقة في آن واحد. ويبرز رقم محوري في تحليلات الوكالة يتمثل في أن مصادر الطاقة النظيفة ستلبي مجتمعة نحو 90% من نمو الطلب العالمي على الكهرباء خلال السنوات المقبلة. 

في عام 2024، واصلت القدرة العالمية للطاقة المتجددة نموها القياسي للسنة الثانية والعشرين على التوالي، مع إضافة نحو 700 جيجاوات من القدرات الجديدة. واستحوذت الطاقة الشمسية الكهروضوئية على قرابة 80% من هذه الإضافات، ما يعكس التحول السريع في هيكل الاستثمارات العالمية. وقد أدى هذا التوسع إلى اقتراب حصة مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات – المتجددة والنووية – من 40% من إجمالي توليد الكهرباء عالمياً.

وتشير التقديرات إلى أن توليد الكهرباء من مصادر متجددة سيتجاوز الفحم بحلول عام 2025، في سابقة تاريخية. وبحلول 2030، يُتوقع أن تتضاعف القدرة العالمية للطاقة المتجددة بإضافة نحو 4600 جيجاوات، وهو ما يعادل تقريباً إجمالي القدرة المركبة حالياً في الصين والاتحاد الأوروبي واليابان مجتمعة.

تتقدم الطاقة الشمسية هذا التحول بوصفها «نجم المرحلة»، مدفوعة بانخفاض حاد في تكاليف الوحدات الكهروضوئية وتحسن كفاءة سلاسل التوريد والتركيب. وفي المقابل، تلعب طاقة الرياح والطاقة الكهرومائية والكتلة الحيوية أدواراً تكاملية تعزز استقرار المسار الأخضر العالمي.

ذروة الوقود الأحفوري: نقطة انعطاف مشروطة 

يمثل اقتراب ذروة الطلب على النفط والفحم والغاز الطبيعي التطور الأكثر حساسية بالنسبة لمنتجي هذه الموارد، والأكثر تفاؤلاً من منظور المناخ. ووفقاً لبيانات الوكالة الدولية للطاقة، وفي ظل السياسات الحكومية المعتمدة حالياً، يُرجح أن يبلغ الطلب العالمي على هذه المصادر ذروته قبل نهاية العقد الجاري.

يعني هذا التحول الهيكلي أن العالم قد يكون على أعتاب مرحلة لا يزداد فيها استهلاك الوقود الأحفوري عن مستوياته الراهنة، وهو ما يشكل نقطة انعطاف تاريخية في مسار الطاقة العالمي. ففي عام 2024، ارتفع الطلب العالمي على الطاقة بنسبة 2.2%، مدفوعاً أساساً بنمو الطلب على الكهرباء، بينما تباطأ نمو انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة إلى 0.8% فقط، في وقت تجاوز فيه نمو الاقتصاد العالمي 3%.

ويعكس هذا التباين تقدماً أولياً في فك الارتباط بين النمو الاقتصادي وزيادة الانبعاثات، إذ تشير التقديرات إلى أن الانتشار السريع لتقنيات الطاقة النظيفة ساهم في تجنب نحو 2.6 مليار طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الإضافية سنوياً.

الكربون في مواجهة “المتجددة”

من المتوقع أن تستقر انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن توليد الكهرباء عالمياً خلال الفترة 2025–2027، بعد أن سجلت ارتفاعاً بنسبة 1% في عام 2024، مقارنة بزيادة بلغت 1.4% في عام 2023. ويُعزى هذا الاتجاه إلى التوسع السريع في مصادر الطاقة المتجددة، مقابل استقرار توليد الكهرباء من الوقود الأحفوري.

ومع ذلك، سيظل قطاع توليد الكهرباء أكبر مصدر للانبعاثات بين جميع القطاعات، إذ قُدرت بنحو 13.8 مليار طن في عام 2024. ويُتوقع أن يشهد توليد الكهرباء من الفحم ركوداً عالمياً خلال السنوات المقبلة، بعد ارتفاع طفيف في العام الماضي. وسيُعوض التراجع في الانبعاثات داخل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بالزيادات المسجلة في الهند وجنوب شرق آسيا.

غير أن التوسع الكبير في مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات سيؤدي إلى خفض حصة الفحم في مزيج توليد الكهرباء العالمي إلى أقل من 33%، للمرة الأولى منذ مطلع القرن. وتبقى الصين، التي لا يزال الفحم يشكل أكثر من نصف توليدها الكهربائي، عاملاً حاسماً في هذا المسار، حيث يمكن للعوامل المناخية أو التقلبات الاقتصادية أن تؤثر بعمق في اتجاهات التوليد.

الكهرباء.. “النفط الجديد”

تؤكد الوكالة الدولية للطاقة أن الكهرباء لم تعد مجرد سلعة، بل أصبحت العمود الفقري لنظام الطاقة المستقبلي. وينمو الطلب العالمي على الكهرباء بمعدل يقارب ضعف نمو الطلب الكلي على الطاقة، مدفوعاً بتوسع كهربة النقل عبر السيارات الكهربائية، وانتشار المضخات الحرارية وأنظمة التبريد، إضافة إلى الطفرة في مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

في عام 2024، ارتفع استهلاك الكهرباء العالمي بنحو 1100 تيراواط/ساعة، أي أكثر من ضعف متوسط الزيادة السنوية خلال العقد الماضي. وقد جرى تلبية نحو 80% من هذا النمو عبر مصادر منخفضة الانبعاثات، بما يضمن – نظرياً – تزامن كهربة الاقتصاد مع مسار إزالة الكربون.

ساهمت الصين بأكثر من نصف نمو الطلب العالمي على الكهرباء، مع توقعات بارتفاع الاستهلاك بمعدل 6% سنوياً حتى عام 2027. كما يُنتظر أن تسجل الهند ودول جنوب شرق آسيا نمواً قوياً، مدفوعاً بالتوسع الاقتصادي وارتفاع الطلب على التبريد، حيث يُتوقع أن ينمو الطلب في الهند بمعدل 6.3% سنوياً خلال السنوات الثلاث المقبلة.

اختلالات التنمية وفجوة الوصول

حتى عام 2027، سيأتي نحو 85% من الطلب الإضافي على الكهرباء من الاقتصادات الناشئة. وتشير التقديرات إلى ارتفاع استهلاك الكهرباء في الصين من 9443 إلى 9956 تيراواط/ساعة، وفي الولايات المتحدة من 4273 إلى 4401 تيراواط/ساعة، وفي الهند من 1957 إلى 2385 تيراواط/ساعة. أما إندونيسيا، فيُتوقع أن يتضاعف استهلاكها تقريباً من 351 إلى 711 تيراواط/ساعة.

في المقابل، لا تزال إفريقيا متأخرة عن هذا المسار، إذ يفتقر نحو 600 مليون شخص في إفريقيا جنوب الصحراء إلى الوصول المنتظم إلى الكهرباء، رغم التقدم المحقق في السنوات الأخيرة. ويظل نمو الناتج المحلي الإجمالي للفرد عاملاً حاسماً في زيادة استهلاك الكهرباء، مع تحسن القدرة على اقتناء التقنيات كثيفة الاستخدام للطاقة.

الذكاء الاصطناعي: شهية مفتوحة للطاقة

تستهلك مراكز البيانات حالياً نحو 1.5% من الإمدادات العالمية للكهرباء، وهو ما يعادل استهلاك دولة بحجم المملكة المتحدة. وتشير تقديرات الوكالة إلى أن الطلب على الكهرباء من هذه المراكز قد يتجاوز الضعف بحلول عام 2030، مع مساهمة تطبيقات الذكاء الاصطناعي بنحو نصف هذا النمو.

في أيرلندا، تستهلك مراكز البيانات أكثر من خُمس الكهرباء الوطنية، وهي أعلى نسبة بين الاقتصادات المتقدمة. وفي ولاية فيرجينيا الأميركية، التي تضم أكبر تجمع لمراكز البيانات في العالم، تصل النسبة إلى نحو الربع. وفي موازاة ذلك، باتت شركات التكنولوجيا الكبرى من أبرز اللاعبين في سوق الطاقة، إذ تُعد اليوم من أكبر مشتري الطاقة المتجددة عالمياً، مع توقيع اتفاقات شراء طويلة الأجل بمليارات الدولارات، أثرت مباشرة في توجيه استثمارات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

بين الغاز الطبيعي والطاقة النووية

رغم تصاعد الضغوط المناخية، يظل الغاز الطبيعي مكوناً أساسياً في مزيج الطاقة، لدوره في دعم استقرار الشبكات الكهربائية وتكملة المصادر المتجددة، فضلاً عن استخداماته الصناعية، بما في ذلك إنتاج الهيدروجين. وعند دمجه بتقنيات احتجاز الكربون، يوفر مساراً انتقالياً لخفض الانبعاثات على المدى القريب.

أما الغاز الطبيعي المسال، الذي طالما وُصف بـ«وقود المرحلة الانتقالية»، فقد عزز موقعه في مزيج الطاقة العالمي، مدعوماً بالدعم السياسي والابتكار التكنولوجي وتنويع الإمدادات، لا سيما في آسيا وأوروبا بعد تراجع الاعتماد على الغاز الروسي.

في الوقت ذاته، تستعيد الطاقة النووية زخماً متزايداً، مع الاهتمام بالمفاعلات الصغيرة والمتوسطة القابلة للتوسع. ورغم أن مساهمتها لا تزال عند حدود 10% من توليد الكهرباء عالمياً، فإن القدرات في تصاعد، خصوصاً في الصين، التي يُتوقع أن تتجاوز الولايات المتحدة وأوروبا بحلول عام 2030.

فجوة التنفيذ والتحدي الحقيقي

على الرغم من الزخم القائم، تحذر الوكالة الدولية للطاقة من فجوة واضحة بين المسار الحالي وما يتطلبه تحقيق أهداف اتفاق باريس، ولا سيما سيناريو «صافي الانبعاثات الصفري» بحلول 2050. ويتطلب ذلك مضاعفة معدل تحسين كفاءة الطاقة، إذ تعهدت أكثر من 130 دولة برفع المعدل السنوي من 2% إلى 4% بحلول 2030، بينما لا يزال التقدم دون هذا المستوى.

كما يستلزم الأمر مضاعفة القدرة العالمية للطاقة المتجددة ثلاث مرات مقارنة بمستويات 2022. ومع ذلك، لا يزال الاستثمار في الطاقة النظيفة داخل الاقتصادات الناشئة – خارج الصين – عالقاً عند نحو 15% من الإجمالي العالمي، رغم أنها تضم ثلثي سكان العالم. وتشكل تحديات البنية التحتية، وتحديث شبكات الكهرباء، وسلاسل التوريد، وآليات التمويل المبتكرة، عوائق رئيسية أمام تسريع الانتقال.

ما الذي يحدده اليوم؟

لا تقدم تحليلات الوكالة الدولية للطاقة تنبؤات حتمية، بل خرائط طريق مشروطة بالسياسات والقرارات. لقد بدأ عصر الطاقة النظيفة فعلياً، مدفوعاً بالجدوى الاقتصادية غير المسبوقة للطاقة الشمسية والرياح، ما يجعل ذروة الوقود الأحفوري احتمالاً قريباً.

غير أن ترجمة هذا التحول إلى مسار آمن ومستدام تتطلب قفزة نوعية في الطموح السياسي والتنفيذ الاستثماري، خصوصاً في المناطق الأكثر حاجة للطاقة النظيفة. وستحدد الخيارات المتخذة اليوم ما إذا كان العالم سيتجه نحو اقتصاد منخفض الكربون ومستقر، أم نحو مسار محفوف بمخاطر مناخية متصاعدة وحلول أكثر كلفة وأقل يقيناً.