رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي خلال عام 2026 بصورة طفيفة، مستنداً إلى قوة الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وقدرة الشركات على التكيف مع الصدمات المتلاحقة، محذراً في الوقت ذاته من أن هذه المرونة تقترب من حدودها، في ظل استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة، وتصاعد أعباء الديون الحكومية، وتزايد المخاطر المالية المرتبطة بالطفرة التكنولوجية.
توقع الصندوق، في تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي”، الثلاثاء، أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 3.1% هذا العام، بزيادة قدرها 0.1 نقطة مئوية عن تقديراته السابقة في يوليو/تموز، على أن يتسارع النمو إلى 3.4% في 2027، من دون تغيير عن تقديراته السابقة. مع ذلك، تظل وتيرة التوسع الاقتصادي أقل من متوسط النمو البالغ 3.5% خلال العامين السابقين، ما يعكس استمرار الضغوط التي تحد من قدرة الاقتصاد العالمي على استعادة زخمه، واصفاً التوقعات متوسطة الأجل بأنها “ضعيفة”.
تكشف البيانات عن تحركات في شقّين: اقتصادات تستفيد من تدفقات الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ولا سيما الولايات المتحدة ومراكز تصنيع الرقائق الإلكترونية في آسيا، وأخرى تتحمل كلفة اضطرابات الطاقة وارتفاع الأسعار وتراجع الإيرادات، خصوصاً الدول المتضررة مباشرة من الحرب في الشرق الأوسط وتلك المستوردة للوقود التي تملك حيزاً مالياً محدوداً.
الذكاء الاصطناعي: محرك للنمو ولكن..
أسهم الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي في دعم النشاط الاقتصادي العالمي، وعوّض جانباً من الأضرار الناجمة عن ارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب التجارة. فقد دفعت الاستثمارات في مراكز البيانات والرقائق والخوادم ومعدات الحوسبة الطلب على السلع والخدمات المرتبطة بالتكنولوجيا إلى مستويات قوية، ما دعم اقتصادات الدول المنحرطة في سلاسل توريد هذه المنتجات.
لكن الصندوق حذّر من أن المكاسب لم تكن متساوية بين البلدان، وأن الاعتماد المتزايد على قطاع واحد أضعف تنوع مصادر النمو. ووفقاً للتقرير، أتى نحو ثلثي الزيادة الإضافية في تجارة معدات الحوسبة السحابية من تايوان وكوريا الجنوبية، فيما استحوذت الولايات المتحدة والصين على أكثر من 75% من صافي الواردات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال العام الماضي.
أشار صندوق النقد إلى أن 32 دولة فقط تُسهم حالياً بنسبة 95% من النمو الإجمالي، مقارنةً بـ 54 دولة قبل ستة أشهر، بينما تظهر آثار الطلب المتزايد على المعدات والطاقة بالفعل في صورة ضغوط تضخمية ومخاطر مالية.
صدمة الطاقة وقدرة التحمل
تُمثل الحرب في الشرق الأوسط التهديد المباشر الأبرز للنمو، بعدما أدت اضطرابات الملاحة والإمدادات إلى ارتفاع تكاليف الطاقة وإجبار الاقتصادات على إعادة ترتيب مصادر التوريد. ولم تقتصر آثار الأزمة على الدول المنتجة أو المستوردة للنفط والغاز، بل امتدت إلى تكاليف النقل والتصنيع والغذاء، بما يهدد بإعادة إشعال التضخم في وقت لا تزال فيه الاقتصادات تتعامل مع آثار موجات الأسعار السابقة.
وساعدت المخزونات الاستراتيجية والتجارية وإعادة توجيه بعض الإمدادات على امتصاص جزء من الصَّدمة، لكن استمرار النِّزاع يقلص هامش الأمان تدريجياً. ويحذر الصندوق من أن تآكل هذه الاحتياطيات قد يجعل الأسواق أكثر حساسية لأي انقطاع إضافي، خصوصاً إذا طال أمد اضطراب حركة الشحن أو اتسع نطاق المواجهة.
توقع الصندوق ارتفاع معدل التضخم العالمي العام إلى 4.7% في 2026، قبل تراجعه إلى 4.1% في 2027. لكن هذا المسار يفترض عدم حدوث تصعيد جديد قد يُطيل أزمة الطاقة أو يدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى. وإذا استمرت الأسعار المرتفعة، فقد تضطر البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، بما يرفع تكلفة الاقتراض ويضغط على الاستهلاك والاستثمار.
كعادتها، لا تتساوى الدول في قدرتها على امتصاص هذه التداعيات؛ فالدول منخفضة الدخل والمستوردة للطاقة والغذاء تواجه ضغوطاً مضاعفة على موازناتها واحتياطياتها من النقد الأجنبي، بينما قد تجد الحكومات نفسها أمام مفاضلة صعبة بين دعم الأسر والشركات المتضررة والحفاظ على الاستدامة المالية.
الديون والعوائد المرتفعة
حدّ تضخّم الدين العام وارتفاع عوائد السندات الحكومية من قدرة الحكومات على مواجهة الأزمات المقبلة. ومع زيادة تكاليف الاقتراض، تصبح خدمة الدين أكثر استنزافاً للموارد العامة، فيما تتراجع المساحة المتاحة لتمويل البنية التحتية والتعليم والحماية الاجتماعية والاستثمارات الداعمة للإنتاجية.
ويرى الصندوق أن الحكومات بحاجة إلى خطط مالية موثوقة لإعادة بناء الهوامش الوقائية، بدلاً من الاكتفاء بإجراءات قصيرة الأجل لاحتواء الصدمات. وتزداد أهمية ذلك في الاقتصادات التي تجمع بين ارتفاع المديونية وضعف النمو، إذ قد يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة أعباء إعادة تمويل الديون، ويدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى مقابل تحمل المخاطر السيادية.
كما يتعين على الحكومات الموازنة بين احتياجاتها الفورية، بما فيها أمن الطاقة والغذاء، ومتطلبات الاستقرار المالي والنقدي. في هذا الصدد، حذّرت كبيرة الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، سيلفانا تينريو، من التعامل مع المرونة الاقتصادية باعتبارها أمراً مضموناً، داعية إلى استعادة القدرة المالية على مواجهة الأزمات.
حصة الأصول المصرفية
امتدت مخاطر النمو إلى النظام المالي العالمي، إذ تقاطعت التقييمات المرتفعة للأصول المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مع انكشاف المؤسسات المالية على الصدمات الاقتصادية. وفي تحليل لاختبارات الضغط المصرفي، درس صندوق النقد سيناريو يجمع بين انهيار حاد في تقييمات الذكاء الاصطناعي، وارتفاع عوائد السندات الحكومية، وتباطؤ الاقتصاد، إلى جانب تفاقم التوترات الجيوسياسية واضطرابات الطاقة والتجارة.
وبموجب هذا السيناريو، قد ترتفع حصة الأصول المصرفية العالمية لدى المؤسسات المصنفة “ضعيفة” إلى 22%، موزعة على 110 بنوك، مقارنة بـ18% من الأصول لدى 88 بنكاً في اختبار العام السابق. ويُقصد بالمؤسسات “الضعيفة” هنا البنوك التي قد تنخفض نسبة رأس مالها الأساسي إلى أقل من 7%، وهو الحد الأعلى المُعتمد لأكثر البنوك تعقيداً في العالم. هذه الأرقام لا تمثل توقعاً بانهيار تلك البنوك، بل هي مقياس لقدرتها على امتصاص الخسائر. مع ذلك، فإن ارتفاع حصة الأصول المعرضة للضعف يشير إلى أن تراكم المخاطر يستدعي مراقبة أكثر دقة، حتى عند تحقيق أرباح قوية.
ويتوقع التقرير تعرض البنوك الآسيوية، باستثناء الصين، لأكبر تراجع في رأس المال، تليها البنوك الأوروبية. أما بنوك أمريكا الشمالية، فتبدو أكثر قدرة نسبياً على إعادة بناء رؤوس أموالها بفضل الأرباح القوية، وإن كانت بعض المؤسسات تواجه انكشافات مرتفعة على المؤسسات المالية غير المصرفية.
الولايات المتحدة وآسيا تقودان النمو..
على مستوى الاقتصادات الكبرى، يتوقع الصندوق أن تسجل الولايات المتحدة نمواً بنسبة 2.3% في عام 2026، مدعوماً بالاستثمار التكنولوجي والطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي. كما يتوقع نمواً بنسبة 10.7% في تايوان و3.3% في كوريا الجنوبية (3.3%).
في المقابل، يتوقع الصندوق نمو الاقتصاد الصيني بنسبة 4.5% في 2026 و4% في 2027، مع استمرار الضغوط الناجمة عن ضعف الطلب المحلي.
أما الهند، فقد رفع الصندوق توقعاته لنموها في 2026 بمقدار 0.6 نقطة مئوية إلى 7%، استناداً إلى قوة الطلب المحلي ومتانة قطاع الخدمات. ويضعها ذلك بين أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً، وإن كانت قدرتها على الاستمرار في هذا المسار مرهونة بالظروف المالية العالمية وأسعار الطاقة وحركة الطلب الخارجي.
أوروبا والتعافي الهش
في أوروبا، تبدو الصورة أكثر تفاوتاً. فمن المتوقع أن ينمو الاقتصاد الألماني بنسبة 1.1% في 2027، بينما يتراجع نمو المملكة المتحدة إلى 1.2%، مع استمرار تأثير أسعار الطاقة المرتفعة والفائدة على الاستهلاك. وتبرز فرنسا بوصفها إحدى أضعف الاقتصادات الكبرى أداءً، وخفّض الصندوق توقعاته لنموها إلى 0.4% في 2026، و0.7% في 2027، بتراجع 0.2 نقطة مئوية لكل عام مقارنة بتقديراته السابقة. ويعكس ذلك تداخل عدم اليقين السياسي والمالي مع تداعيات الظروف المناخية، بما فيها موجات الحر والحرائق خلال الصيف.
تؤكد هذه التباينات أن النمو العالمي لا يتجه نحو تعافٍ متوازن؛ فالدول التي تمتلك قدرات تكنولوجية وصناعية متقدمة تستفيد من موجة الاستثمار الجديدة، بينما تواجه اقتصادات أخرى صعوبة في تعويض خسائر الطاقة أو تحفيز الطلب في ظل ارتفاع تكاليف التمويل.
الشرق الأوسط والخليج
تظهر تداعيات الحرب بصورة أكثر حدة في الشرق الأوسط، حيث اجتمعت اضطرابات الإنتاج والتصدير مع تعطل طرق التجارة وارتفاع تكاليف النقل. وخفّض صندوق النقد توقعاته لنمو منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى لعام 2026 بصورة حادة، مرجحاً انكماش الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة بنسبة 0.3%، مقارنة بتوقعات سابقة بتحقيق نمو يبلغ 1.9%.
تشير التقديرات إلى انكماش اقتصاد السعودية بنسبة 3.3% في 2026، قبل انتعاش متوقع في 2027، في حين تواجه العراق والكويت وقطر والبحرين وإيران انكماشات أشد نتيجة اضطرابات الإنتاج والصادرات والنقل. وتبقى هذه الأرقام شديدة الحساسية لمدة الحرب وسرعة استعادة حركة الملاحة والإنتاج، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها مساراً محسوماً.
مع ذلك، تبرز السعودية والإمارات بوصفهما من الاقتصادات التي تمتلك بدائل لوجستية لتجاوز مضيق هرمز، من خلال خطوط الأنابيب ومنافذ التصدير الأخرى، لكن هذه البدائل لا تلغي مخاطر الهجمات أو اضطراب طرق الشحن.
في المحصلة، يرسم تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي” صورة لاقتصاد لم يفقد قدرته على النمو، لكنه أصبح أكثر اعتماداً على محركات محدودة وأكثر تعرضاً لتزامن الصدمات. فالزيادة الطفيفة في توقعات 2026، والتسارع المرتقب في 2027، لا يبددان حقيقة أن آفاق النمو لا تزال ضعيفة على المدى المتوسط، وأن هامش الأمان المالي والمتاح في قطاع الطاقة يتقلص. التحدي الأساسي في المرحلة المقبلة عنوانه تحويل المرونة التي أظهرتها الشركات والأسواق إلى قدرة مستدامة على مواجهة الأزمات، من خلال بناء احتياطيات مالية، وتنويع مصادر الإمداد، وتعزيز الرقابة المالية، وتخفيف الاختلالات الهيكلية.















