سجّل مؤشر الفقر متعدد الأبعاد الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أول ارتفاع منذ إطلاقه عام 2010، ليصل عدد الأشخاص المعنيين به إلى 1.2 مليار نسمة، أكثر من نصفهم من الأطفال، في تطور يُسلط الضوء مجدداً على التحديات التي تواجه جهود مكافحة الفقر عالمياً، وعلى قدرة الحكومات على تحويل النمو الاقتصادي إلى تحسن ملموس في ظروف المعيشة.
أفاد البرنامج بأن تقريره السنوي لعام 2026، الذي أعدّه بالتعاون مع مبادرة “أكسفورد للفقر والتنمية البشرية”، رصد زيادة بنحو 51.5 مليون شخص في عدد الذين يعيشون في فقر متعدد الأبعاد، مقارنةً بأحدث إحصائية مسجّلة. وقال ألكسندر دي كرو، مدير البرنامج: “يجب أن يشكل هذا الارتفاع في معدلات الفقر جرس إنذار للعالم أجمع، فخلف هذه الأرقام هناك 1.2 مليار شخص يواجهون مصاعب تتفاقم وتتضافر فيما بينها، بما في ذلك الجوع، والحرمان من التعليم، وانعدام فرص الحصول على مياه نظيفة أو كهرباء”.
يُذكر أن نسخة 2026 من المؤشر تُغطي 108 دول في المناطق النامية، تمثل مجتمعة نحو 78% من سكان العالم. ومع ذلك، تستدعي محدودية التحديثات السنوي التمييز بين الاتجاه العالمي العام والتغيرات المسجلة في البلدان التي تتوافر عنها بيانات حديثة، لتجنب استخلاص نتائج أوسع مما تسمح به الأدلة المتاحة.
تفاوت النتائج يعقد الحسابات
على الرغم من الزيادة المسجلة عالمياً، تكشف البيانات المتاحة عن مسارات متباينة لمكافحة الفقر، إذ نجحت 33 دولة من أصل 89 دولة تتوافر بشأنها بيانات زمنية في خفض قيمة المؤشر إلى النصف خلال أقل من 15 عاماً، من بينها ست دول في إفريقيا جنوب الصحراء. وتبرز إسواتيني نموذجاً لهذا التقدم، بعدما تراجعت نسبة السكان الذين يعانون من الفقر متعدد الأبعاد فيها من 38.7% إلى 8%، ما يعكس تحولات ملموسة في مستويات الحرمان خلال فترة زمنية محدودة.
لكن هذه المكاسب لا تعني بالضرورة انخفاض العدد الإجمالي للفقراء بالوتيرة نفسها في جميع البلدان، وهو ما توضحه البيانات المتعلقة بالدول التي شملتها التحديثات الأخيرة. فقد عزا برنامج الأمم المتحدة الإنمائي زيادة عدد الفقراء بنحو 15.4 مليون شخص إلى النمو السكاني، فيما يرتبط الجزء الأكبر من الزيادة المسجلة بعوامل متداخلة تشمل تغير معدلات انتشار الفقر، والتحولات الديموغرافية، والاختلافات في نطاق تغطية المؤشرات بين جولات المسح.
وتكشف هذه المعطيات عن فارق جوهري بين انخفاض معدل الفقر وتراجع عدد الفقراء؛ فقد تنجح دولة في تقليص نسبة السكان المحرومين، لكن الزيادة السكانية تفوق وتيرة التحسن، فتؤدي إلى ارتفاع عدد الأشخاص الذين لا يزالون يعيشون في ظروف الفقر، ما يجعل تقييم السياسات التنموية أكثر تعقيداً.
معضلة الأرياف
تتركز معدلات الفقر متعدد الأبعاد جغرافياً في المناطق الريفية، حيث يعيش 8 من كل 10 أشخاص يعانون منه حول العالم، بحسب التقرير. ويعكس هذا التفاوت فجوة مستمرة في الوصول إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية، بما فيها الكهرباء والصرف الصحي ومياه الشرب، ما يؤثر مباشرة في فرص التعليم والعمل والقدرة على تحسين الإنتاجية.
ويكتسب هذا التركز أهمية خاصة لأن الفقر في المناطق الريفية لا يرتبط فقط بانخفاض الدخول، بل يتداخل مع ضعف الخدمات العامة ومحدودية الفرص الاقتصادية، ما يجعل الخروج منه أكثر تعقيداً. كما أن اتساع الحرمان في هذه المناطق، التي يعتمد معظم سكانها على الزراعة والموارد الطبيعية، يعزز أهمية تبنّي السياسات التي تزيد قدرة المجتمعات على مواجهة الصدمات الاقتصادية والمناخية.
تقدم ولكن..
تُظهر النتائج أيضاً تبايناً في مسارات التقدم، إذ نجحت خمس دول في خفض معدلات الفقر متعدد الأبعاد بشكل ملحوظ. وسجلت كل من مصر ونيبال وطاجيكستان انخفاضاً كبيراً في معدلات الفقر وأعداد المتأثرين به معاً، بما يشير إلى تحسن لم يقتصر على تراجع نسبة الفقراء من إجمالي السكان.
كما انخفضت النسبة في أنغولا وزامبيا، لكن النمو السكاني تجاوز وتيرة الحد من الفقر، ما أدى إلى زيادة العدد الإجمالي للمتأثرين. وتوضح هذه المفارقة أن التقدم النسبي، على أهميته، لا يكفي وحده لتخفيف العبء الاجتماعي للفقر، خصوصاً في البلدان التي تشهد توسعاً سكانياً سريعاً.
ماذا يقيس المؤشر؟
يختلف مؤشر الفقر متعدد الأبعاد العالمي عن المقاييس التي تعتمد حصراً على الدخل، فهو يرصد طبيعة الحرمان كما يعيشه الأفراد في حياتهم اليومية. ويستند إلى عشرة مقاييس مرجحة موزعة بالتساوي على ثلاثة مجالات رئيسة، هي الصحة والتعليم ومستويات المعيشة، ويُصنَّف الفرد ضمن فئة الفقر متعدد الأبعاد إذا كان محروماً من ثلث مجموع هذه المؤشرات أو أكثر.
وتشمل المؤشرات الفرعية جوانب مثل التغذية ووفيات الأطفال وسنوات الدراسة والالتحاق بالمدارس، إلى جانب الحصول على مياه الشرب والكهرباء ووقود الطهي، فضلاً عن جودة السكن وامتلاك الأصول الأساسية. ويتيح هذا النهج تحديد أوجه الحرمان المتزامنة، التي قد لا تعكسها مؤشرات الدخل وحدها، كما يساعد على توجيه التدخلات التنموية نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحاً.
وفي المحصلة، يضع التقرير العالم أمام مفارقة واضحة: إمكانات الحد من الفقر مثبتة، لكن المكاسب لا تزال متفاوتة، فيما يتركز الحرمان بين الأطفال وسكان الأرياف. ومع اقتراب الموعد المستهدف لتحقيق أهداف التنمية المستدامة عام 2030، يصبح توسيع الوصول إلى الخدمات الأساسية وتعزيز التعاون التنموي اختباراً عملياً لقدرة الدول على تحويل التقدم المسجل في بعض المناطق إلى تحسن أوسع وأكثر استدامة.















