تدخل معركة الميزانية الأوروبية للفترة 2028-2034 مرحلة حاسمة، بعدما تحوّل الخلاف على حجم الإنفاق إلى مواجهة أوسع حول مستقبل الاتحاد نفسه؛ فهل يستطيع التكتل تمويل طموحاته في التنافسية والطاقة والأمن، من دون أن يُحمّل الدول الأعضاء أعباء مالية إضافية؟
في قلب هذا الصراع، حذّرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين من أن خفض الموازنة بصورة كبيرة قد يضرب الأولويات التي اتفقت عليها الدول الأعضاء، في رسالة مباشرة إلى ألمانيا وحلفائها من الدول المعروفة بـ”المقتصدة”. وقالت أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، الثلاثاء، إن التخفيضات الكبيرة ستقوّض أولويات حيوية للاتحاد، مثل التنافسية والاستقلال في مجال الطاقة.
يأتي التحذير في ظل استعداد الرئاسة الإيرلندية لمجلس الاتحاد الأوروبي لطرح أرقام تفاوضية جديدة، قبيل القمة الأوروبية في 15 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
الخلاف ليس على الرقم وحده
في 16 يوليو، اقترحت المفوضية خطة موازنة طويلة الأجل تقارب 2 تريليون يورو للسنوات السبع المقبلة، بما يعادل في المتوسط 1.26% من الدخل القومي الإجمالي للاتحاد، وهي زيادة محدودة مقارنة بالإطار المالي متعدد السنوات الحالي. وتقول بروكسل إن هذه الموازنة ليست مجرد زيادة في الإنفاق، بل إعادة تصميم لأدوات الاتحاد بما يمنحه مرونة أكبر في مواجهة تحديات الأمن والدفاع، والطاقة، والهجرة، والمناخ، والتنافسية الصناعية.
وتشمل الخطة صندوقاً أوروبياً للتنافسية بقيمة 409 مليارات يورو، إلى جانب 175 مليار يورو لبرنامج “هورايزن أوروبا” للبحث والابتكار، مع توجيه الاستثمارات إلى التكنولوجيا النظيفة والتحول الرقمي والصحة والدفاع والفضاء. كما تتضمن تعزيزاً كبيراً للإنفاق على الدفاع والأمن والفضاء.
الغريب في الأمر أن الاتحاد يريد تقليص الاعتماد على الخارج، وتأمين الطاقة، وتعزيز قدرته الصناعية والعسكرية، بينما تطالب أكبر الدول المساهمة فيه بخفض ما تدفعه إلى الموازنة المشتركة!
ألمانيا ترفع راية التقشف
تقود ألمانيا، إلى جانب عدد من دول شمال أوروبا، الضغط من أجل تخفيضات قد تصل إلى مئات المليارات من اليورو عبر بنود الموازنة. وترى برلين أن مساهماتها في الميزانية مرتفعة، خصوصاً في ظل الضغوط التي تواجه المالية العامة الوطنية.
ووضع المستشار الألماني فريدريش ميرتس سقفاً مرتفعاً للموقف التفاوضي عندما قال إن عدم وجود إطار مالي جديد سيكون الحل الأكثر فائدة مالياً لألمانيا. لكنه أقر في الوقت نفسه بأن غياب الاتفاق سيُقيّد قدرة الاتحاد على التحرك، داعياً إلى إنهاء المفاوضات قبل نهاية العام.
يكشف الموقف الألماني عن معضلة أعمق: الدول الأكبر مساهمة تريد ضبط التحويلات إلى بروكسل، لكنها في المقابل تطالب الاتحاد بلعب دور أكبر في الدفاع والطاقة والتنافسية. إذن، المشكلة ليست في تحديد حجم الموازنة فقط، بل في كيفية توزيع تكلفة الطموح الأوروبي الجديد.
الجنوب والشرق: لا تنافسية من دون تماسك
في السياق ذاته، وقّعت 17 دولة من جنوب وشرق أوروبا رسالة مشتركة تطالب بالحفاظ على دعم المزارعين، وكذلك تمويل المناطق الأقل ثراءً من خلال سياسة التماسك.
وتخشى هذه الدول أن تؤدي إعادة ترتيب الأولويات إلى تحويل الأموال من السياسة الزراعية والتنمية الإقليمية نحو الدفاع والتكنولوجيا والصناعة، بما يوسع الفجوة الاقتصادية داخل الاتحاد.
ولخّص رئيس الوزراء البرتغالي لويس مونتينيغرو المعادلة بقوله: “لا تنافسية أوروبية من دون تماسك، ولا تماسك أوروبي من دون تنافسية”، مشيراً إلى أن مساهمة البرتغال في الموازنة، كنسبة من ناتجها المحلي، أعلى من مساهمة ألمانيا وبعض الاقتصادات الأغنى.
لا يتعلق الأمر بالدعم المالي فقط؛ فسياسة التماسك كانت إحدى الأدوات الأساسية لتقليص الفوارق بين أقاليم الاتحاد، بينما تظل السياسة الزراعية المشتركة من أكثر بنود الموازنة حساسية سياسياً. وتقترح المفوضية أصلاً إعادة دمج عدد من هذه السياسات في خطط شراكة وطنية وإقليمية أكثر مرونة.
فاتورة أوروبا الجديدة
تسعى المفوضية إلى تخفيف اعتمادها على مساهمات الدول الأعضاء عبر مصادر تمويل أوروبية جديدة، تشمل حصة من إيرادات نظام تداول الانبعاثات، وآلية تعديل الكربون على الحدود، وضريبة على منتجات التبغ، ورسماً على النفايات الإلكترونية، ومساهمة سنوية من الشركات الكبرى، إلى جانب تعديلات على بعض مصادر الإيرادات القائمة. وتقدّر المفوضية أن إجمالي الحزمة يمكن أن يوفر 58.2 مليار يورو سنوياً، ما يخفف الضغط على الموازنات الوطنية.
لكن هذه الآلية نفسها قد تفتح جبهة تفاوضية جديدة، إذ يتعين على الدول الأعضاء الاتفاق بالإجماع على قرار الموارد الخاصة، ثم التصديق عليه وفق الإجراءات الدستورية الوطنية. أما اعتماد الإطار المالي نفسه فيتطلب اتفاقاً بالإجماع داخل المجلس، إلى جانب موافقة البرلمان الأوروبي.
موعد لا يحتمل الانقسام
تزداد حساسية المفاوضات لأن بروكسل تريد التوصل إلى اتفاق سياسي قبل نهاية 2026، بما يسمح بإقرار التشريعات خلال 2027 وضمان بدء التمويل من دون انقطاع في يناير/كانون الثاني 2028، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات في فرنسا وإيطاليا وبولندا، إذ يمكن للحسابات السياسية المرتبطة بها أن تعيد صياغة مواقف الحكومات بشأن المساهمة في الميزانية وتوزيع الأموال.
لذلك، لا تبدو معركة موازنة 2028-2034 خلافاً محاسبياً تقليدياً. إنها اختبار لقدرة الاتحاد على ترجمة طموحه الجيوسياسي إلى موارد مالية. خفض الإنفاق قد يرضي الدول المقتصدة على المدى القصير، لكنه قد يضعف قدرة أوروبا على تمويل التكنولوجيا والطاقة والدفاع والتنافسية التي تحتاج إليها لتقليل اعتمادها على القوى الخارجية. في المقابل، تمرير موازنة أكبر من دون إصلاح مصادر الإيرادات قد يفاقم اعتراض الدول المساهمة. فمن يدفع ثمن بناء تكتل أوروبي أكثر استقلالاً وقدرة على المنافسة؟















