بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

سيارات

من البطارية إلى الصدارة العالمية: كيف كسرت «بي واي دي» تفوق «تيسلا» في سوق السيارات الكهربائية؟

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مع نهاية عام 2025، بات واضحاً أن صناعة السيارات الكهربائية دخلت مرحلة مختلفة عن تلك التي سادت العقد الماضي. فقد أعلنت شركة “بي واي دي” الصينية تصدّرها قائمة أكبر منتجي السيارات الكهربائية بالكامل في العالم، متجاوزة “تيسلا” التي قادت القطاع لسنوات بوصفها رمز الابتكار والتحول الأخضر.

مع وصول مبيعاتها الإجمالية إلى نحو 4.6 مليون مركبة طاقة جديدة، تخطّت “بي واي دي” طفرة المبيعات، لتعيد رسم خارطة القوة الصناعية والتقنية في قطاع يُعدّ أحد أعمدة الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين.

2025: اللحظة الفاصلة بالمنافسة العالمية

هذا التحول لم يكن مجرد سباق أرقام، بل نتيجة تفاعل معقّد بين السياسات الصناعية، واستراتيجيات التسعير، وسلاسل التوريد، والتحولات الجيوسياسية، في وقت تتباطأ فيه بعض الاقتصادات الغربية، فيما تدفع الصين بثقلها الصناعي نحو التوسع العالمي. 

كان عام 2025 لحظة فاصلة في المنافسة بين العملاق الصيني ومنافسه الأمريكي. فبحسب البيانات الأخيرة لنتائج كليهما، باعت “بي واي دي” 2.26 مليون سيارة كهربائية بالكامل عالمياً، بزيادة 28% على أساس سنوي، متجاوزةً مبيعات “تيسلا” التي تراجعت إلى 1.64 مليون سيارة عالمياً، لكن بانخفاض يقارب 9% مقارنة بعام 2024، في ثاني عام على التوالي من تراجع التسليمات.

ورغم أن “تيسلا” احتفظت بهامش ربح أعلى في بعض الأسواق، فإن حجم المبيعات حسم المعركة الرمزية والعملية في آن واحد. ففي حين ظل الصانع الأمريكي يعتمد بشكل أساسي على طرازين رئيسيين هما “3” و”Y”، قدّمت “بي واي دي” تشكيلة واسعة تغطي مختلف الشرائح السعرية، من السيارات الاقتصادية المدمجة مثل “Seagull”، وصولاً إلى الطرازات الفاخرة عالية الأداء تحت علامة “Yangwang”.

كان هذا التنوع، إضافة إلى الخيار التسويقي، استراتيجية صناعية تهدف إلى الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من الطلب العالمي، خاصة في الأسواق الناشئة التي تبحث عن سيارات كهربائية بأسعار معقولة دون التضحية بالجودة.

التوسع خارج الصين

كان 2025 أيضاً عام التدويل بامتياز لـ “بي واي دي”. فللمرة الأولى، تجاوزت مبيعاتها خارج الصين مليون سيارة، بنمو سنوي مذهل بلغ 150.7%. وبرزت أسواق أمريكا اللاتينية، وجنوب شرق آسيا، والشرق الأوسط كمحركات رئيسية للنمو.

في أوروبا، وتحديداً المملكة المتحدة، التي أصبحت أكبر أسواقها خارج الصين،  سجّلت الشركة اختراقاً لافتاً، مع قفزة في المبيعات بلغت 880% على أساس سنوي في سبتمبر 2025، مدفوعةً بالطلب على النسخة الهجينة القابلة للشحن من طراز “Seal U”.

في المقابل، واصلت شركات صينية أخرى توسعها العالمي، إذ باعت “جيلي” أكثر من 3 ملايين سيارة (من مختلف الأنواع) العام الماضي، فيما عززت “SAIC” (مالكة علامة “إم جي”) حضورها في أوروبا.

أما شركات السيارات التقليدية، فشهدت نتائج متباينة في 2025. فقد باعت “فولكسفاغن” نحو 382 ألف سيارة كهربائية. كما زادت “جنرال موتورز” مبيعات السيارات الكهربائية بنسبة 48% لتصبح ثاني أكبر بائع من هذه الفئة في البلاد بعد “تيسلا”. وواصلت “تويوتا” التركيز على السيارات الهجينة، مع مبيعات تجاوزت 4 ملايين مركبة هجينة لنفس الفترة.

من ورشة بطاريات إلى إمبراطورية عالمية

يكمن أحد أسرار تفوّق “بي واي دي” في سيطرتها شبه الكاملة على سلسلة القيمة، لا سيما في قطاع البطاريات. فالشركة تُعدّ ثاني أكبر منتج للبطاريات في العالم، وتملك تقنيتها الخاصة المعروفة باسم “Blade Battery”، التي تتميز بسلامة أعلى وكلفة أقل مقارنة بالبطاريات التقليدية.

هذه الميزة سمحت لـ “بي واي دي” بتجاوز تقلبات أسعار المواد الخام التي أرهقت منافسين كُثراً، كما مكّنتها من تزويد شركات أخرى ببطارياتها، محققةً إيرادات إضافية ونفوذاً صناعياً غير مباشر. في المقابل، واجهت “تيسلا” ضغوطاً متزايدة في سلاسل التوريد، رغم محاولاتها توسيع قدراتها التصنيعية للبطاريات داخلياً.

لفهم حجم هذا التحول، لا بد من العودة إلى عام 1995، حين أسس وانغ شوان فو شركة “بي واي دي” في مدينة شنتشن الصينية، كورشة صغيرة لإنتاج بطاريات الهواتف المحمولة. اسم الشركة، المختصر من عبارة “Build Your Dreams”، بدا حينها أقرب إلى شعار طموح منه إلى خطة عمل واقعية.

وفي عام 2003، اتخذت “بي واي دي” خطوة، عُدت مغامرة آنذاك، بالاستحواذ على شركة سيارات حكومية متعثرة. لكن الرؤية كانت واضحة، الانتقال من البطارية إلى صناعة السيارة. ثم جاء عام 2008 ليشكّل نقطة التحول، حين قرر الملياردير الأمريكي وارن بافيت الاستثمار في الشركة، مانحاً إياها شرعية عالمية وثقة مالية عززت توسعها السريع، وهكذا بدأت الحكاية نحو أولى السيارات الكهربائية والهجينة.

السوق الصيني: حرب أسعار لا ترحم

لم يكن صعود “بي واي دي” في 2025 خالياً من التحديات. فالسوق الصيني، وهو الأكبر عالمياً، يشهد حرب أسعار شرسة مستمرة منذ أكثر من 3 سنوات، وُصفت محلياً بـ”بحر من الدماء”. شركات صينية صاعدة مثل “نيو” Nio، و”إكس بينج” XPeng، و”لي أوتو” Li Auto دفعت بالمنافسة التقنية إلى مستويات عالية، في حين دخلت شركات تكنولوجية عملاقة مثل “شاومي” مجال السيارات الكهربائية بقوة، مستفيدةً من علاماتها التجارية الراسخة.

دفعت هذه الظروف “بي واي دي” إلى خفض مستهدفاتها من 5.5 مليون سيارة إلى 4.6 مليوناً هذا العام، نتيجة لتشبع الطلب المحلي. ومع ذلك، مكّنها حجم إنتاجها الضخم من خفض الكلفة للمركبة الواحدة، وهو ما أثار قلق الصانعين في أوروبا والولايات المتحدة، الذين باتوا يتحدثون عن “تسونامي السيارات الصينية”.

بخصوص “تيسلا”، فقد دخلت رسمياً “حرب الأسعار” منذ سنوات، بعد أن خفّضت أسعار سياراتها الكهربائية مراراً في الصين، وبنسبة بلغت 25% تقريباً في 2023، وواصلت ذلك في الأعوام اللاحقة، ما جعل منتجاتها أقل سعراً حتى من بعض المركبات البديلة العاملة بالبنزين.

“تيسلا”: ريادة تحت الاختبار

لا يعني تراجع “تيسلا” في 2025 نهاية دورها، لكنها تواجه بلا شك مرحلة إعادة تموضع. فقد كشفت أرقام العام عن تباطؤ في الابتكار، وتأخر في إطلاق طرازات جديدة بأسعار منخفضة، إلى جانب تأثر الطلب في الولايات المتحدة بعوامل سياسية واقتصادية.

رغم أن الشركة، بقيادة عرّابها إيلون ماسك، لا تزال تتمتع بقاعدة جماهيرية قوية وبريادة في البرمجيات وأنظمة القيادة الذاتية، فإن المنافسة لم تعد تقنية فقط، بل سعرية وسياسية أيضاً.

السياسة الأمريكية وتأثيرها غير المباشر

تزامن هذا التحول الصناعي مع تغيرات سياسية حادة في الولايات المتحدة. فمع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 2025، تراجعت السياسات الداعمة للسيارات الكهربائية، وتوسع دعم الوقود الأحفوري، وتقلّصت الحوافز الممنوحة للطاقة النظيفة.

هذه السياسات أضعفت زخم سوق السيارات الكهربائية الأمريكية، وخلقت مناخاً من عدم اليقين لدى المستهلكين، الذين باتوا ينظرون إلى هذه الفئة من السيارات كخيار “مُسيّس”. وفي هذا السياق، عادت السيارات الهجينة لتبرز كخيار أقل إثارة للجدل، وهو ما استفادت منه شركات مثل تويوتا، لكنه فتح المجال عالمياً أمام لاعبين صينيين لتعزيز مواقعهم.

الهجين كرافعة إضافية

تدرك “بي واي دي” هذا الواقع جيداً، ولذلك لم تركز فقط على السيارات الكهربائية بالكامل، بل طورت جيلاً خامساً من طرازات “DM-I” للهجين القابل للشحن، التي توفر مدى قيادة يتجاوز 2000 كيلومتر. هذه التقنية جعلت سياراتها جذابة في أسواق لا تزال تعاني من ضعف البنية التحتية للشحن.

تفوق “بي واي دي” على “تيسلا” في 2025 لا يختزل في أرقام مبيعات، بل يعكس تحولاً بنيوياً في صناعة السيارات العالمية. ففي هذا القطاع، باتت القدرة على خفض الكلفة، والسيطرة على سلاسل التوريد، والتوسع الجغرافي، عوامل لا تقل أهمية عن الابتكار.

وبينما تعيد الشركات الغربية تقييم نماذجها، تواصل “بي واي دي” ترسيخ موقعها كلاعب مركزي في مستقبل التنقل العالمي، في سباق لم يُحسم بعد، لكنه لم يعد يُدار بالشروط القديمة.