بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر

مقالات مشابهة

ثقافة فكر

اللغة الأولى.. من صحراء إبراهيم الكوني إلى متاهات خورخي بورخيس

بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر

منذ أن بدأ الإنسان يتأمل لغته، بدأ يشك فيها أيضاً. هل الكلمات التي نتكلم بها اليوم هي الأصل، أم مجرد بقايا من لغة أقدم اختفت في فجر التاريخ؟ هذا السؤال ، الذي يبدو للوهلة الأولى لغوياً ، بدأ في الحقيقة دينياً وفلسفياً قبل أن يصبح علمياً. فقد اعتقدت التقاليد الدينية القديمة أن البشر امتلكوا لغة كاملة في البداية، ثم تفرقت الألسن بعد حادثة “برج بابل”. ومنذ ذلك الحين ظلّ حلم “استعادة اللغة الأولى” يرافق الفكر الإنساني.

تتبع الفيلسوف الإيطالي أومبرتو إيكو هذا الحلم في كتابه الشهير The Search for the Perfect Language (البحث عن اللغة الكاملة)، مبيناً أن أوروبا عرفت خلال ألفي سنة عشرات المشاريع الفكرية التي حاولت اكتشاف تلك اللغة الضائعة أو اختراع بديل عنها يعكس “بنية الكون”.

لكن المُفارقة أن هذا السؤال لم يمت مع نهاية الفلسفة القديمة، بل عاد في القرن العشرين في شكلين متباعدين جغرافياً: في مكتبات خورخي لويس بورخيس، وفي صحراء إبراهيم الكوني.

بورخيس: اللغة التي تخلق العالم

في عام 1940 نشر الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس قصته الشهيرة Tlön, Uqbar, Orbis Tertius (تلون، أوقبار، أوربس ترتيوس)، وهي واحدة من أكثر النصوص تأثيراً في الأدب الفلسفي الحديث. في هذه القصة يتخيل بورخيس عالماً كاملاً يسمى Tlön (تلون)، له لغته الخاصة وفلسفته الخاصة. والأمر الأكثر غرابة أن بعض لغات هذا العالم لا تحتوي على أسماء للأشياء، بل تعتمد على الأفعال والصفات فقط. فبدلاً من أن يقول سكان هذا العالم “القمر”، فإنهم يصفون الحدث، شيئاً يشبه القول: “يَقْمَرُ فوق الماء”.

الفكرة الفلسفية التي يستكشفها بورخيس هنا عميقة: “إذا كانت اللغة مختلفة جذرياً، فإن طريقة فهم الواقع ستصبح مختلفة أيضاً”. وفي هذا العالم الخيالي يُصبح الكون “ليس تجمعاً من الأشياء في الفضاء، بل سلسلة من الأفعال والإدراكات”، كما يصف النص. ومن هنا يذهب بورخيس إلى فكرة مدهشة: أن “اللغة لا تصف العالم فقط، بل تشارك في صنعه”.

في أحد مقاطع القصة يقول: “الميتافيزيقيون في تلون لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن الدهشة. إنهم يرون الميتافيزيقا فرعاً من الأدب الخيالي”.

هذا المزج بين الفلسفة والخيال جعل أعمال بورخيس ، خصوصاً مجموعته القصصية Ficciones (خيالات) ، من أهم النصوص التي أثرت في الأدب العالمي ونظريات المعرفة في القرن العشرين.

إبراهيم الكوني: ذاكرة اللغة في الصحراء

بعد عقود من تجربة بورخيس، ظهر صوت مختلف تماماً جغرافياً وثقافياً، إنه الروائي الليبي إبراهيم الكوني. في مشروعه الفكري الضخم “بيان في لغة اللاهوت” يُحاول الكوني الاقتراب من السؤال نفسه، لكن من زاوية أخرى: زاوية الصحراء والطوارق.

ينطلق الكوني من فرضية ثقافية مفادها أن اللغات القديمة، وخصوصاً لغة الطوارق، قد تحمل آثاراً من لغة حضارية أقدم كانت مرتبطة بعالم الصحراء القديم. في هذا المشروع لا يتعامل الكوني مع اللغة بوصفها قواعد نحوية فقط، بل أيضاً “ذاكرة رمزية للحضارة”.

وقد لاحظ باحثون أن أعماله تمزج أساطير الطوارق مع رموز مصر القديمة وأساطير أخرى، في محاولة لإظهار وحدة عميقة بين الثقافات القديمة. فاللغة عند الكوني ليست مُجرد وسيلة للتواصل، بل جسر بين الإنسان والكون. وهو يرى أن الأسطورة نفسها شكل من أشكال المعرفة القديمة التي احتفظت ببقايا ذلك اللسان الأول.

بين الصحراء والمكتبة

رغم المسافة الشاسعة بين الرَّجلين، فإن المقارنة بينهما تكشف تقاطعاً لافتاً. بورخيس جاء من “مكتبة العالم”: كتب وفلسفة وأساطير أوروبية ويونانية. أما الكوني فقد جاء من “ذاكرة الصحراء”: حكايات الطوارق والأسطورة الصحراوية وتجربة العيش في عالم الطبيعة القاسية.

لكن كليهما وصل إلى السؤال نفسه:

هل اللغة مجرد أداة لوصف العالم، أم أنها شكل من أشكال فهمه؟

بورخيس أجاب بالخيال الفلسفي. والكوني أجاب بالأسطورة والأنثروبولوجيا الصحراوية.

كيف استقبل الأدب هذه المشاريع؟

استقبل النقاد تجربة بورخيس بوصفها فتحاً جديداً في الأدب الفلسفي، فقد أصبحت قصصه مرجعاً أساسياً في النقاش حول العلاقة بين اللغة والواقع، كما ألهمت أعمالاً فنية وفكرية عديدة لاحقاً.

أما إبراهيم الكوني فقد عُدّ واحداً من أكثر الأصوات الأدبية تفرداً في الأدب العربي المعاصر، إذ نجح في تحويل أساطير الطوارق وثقافة الصحراء إلى أدب عالمي تتقاطع فيه الرموز المحلية مع الأسئلة الكونية الكبرى. وقد كتب عشرات الروايات والدراسات التي تدور حول العلاقة بين الإنسان والصحراء والأسطورة واللغة.

العلم واللغة التي لا يمكن العثور عليها

لكن في الوقت الذي يواصل فيه الأدب والفلسفة هذا الحلم، يقف العلم الحديث موقفاً أكثر حذراً. ففي اللسانيات التطورية، توجد فرضية تقول إن جميع لغات البشر قد تعود إلى لغة أصلية واحدة، لكن العلماء يؤكدون أن الزمن الذي يفصلنا عنها ، ربما أكثر من مئة ألف سنة ، يجعل إعادة بنائها أمراً شبه مستحيل.

بمعنى آخر: ربما كانت تلك اللغة موجودة بالفعل… لكنها ضاعت إلى الأبد.

مع ذلك لم يتوقف الإنسان عن البحث عنها. من أسطورة آدم، إلى مشاريع الفلاسفة، إلى متاهات بورخيس الأدبية، إلى تأملات إبراهيم الكوني في الصحراء، ظل حلم اللغة الأولى يرافق الفكر الإنساني. ربما لأن الإنسان يشعر دائماً أن اللغة التي يتكلمها اليوم ليست سوى ظل باهت لشيء أقدم.

لغة كان الاسم فيها مُطابقاً للشيء، وكانت الكلمة نفسها معرفة.

وربما ، كما يوحي الأدب ، ليست المشكلة أننا فقدنا تلك اللغة…بل أننا مازلنا نحاول تذكرها.