بقلم محرر شؤون الاقتصاد: مصطفى عزيز
بقلم محرر شؤون الاقتصاد: مصطفى عزيز

مقالات مشابهة

تحليل اقتصادي

الذهب يكسر حاجز 4,000 دولار: قفزة تاريخية وسط اضطراب الأسواق

بقلم محرر شؤون الاقتصاد: مصطفى عزيز
بقلم محرر شؤون الاقتصاد: مصطفى عزيز

تشير التقديرات الأولية إلى أن حجم الطلب العالمي على الذهب في عام 2025 قد يتراوح بين 4500 و5500 طن، بزيادة ملحوظة عن متوسط الأعوام السابقة. وهكذا، لم يعد المعدن النفيس مجرد سلعة مالية، بل لغة للقلق العالمي، ومقياساً لدرجة الخوف في النظام الدولي؛ فكلما ارتفعت أسعاره، ارتفع منسوب الشك في استقرار العالم.

 منذ مطلع العام 2025، بدا واضحاً أن العالم يتعامل مع الذهب بوصفه ملاذاً نفسياً آمناً في زمن اللايقين، أكثر من كونه معدناً ثميناً فحسب. ففي ظل أزمات سياسية متشابكة، وحروبٍ اقتصادية عابرة للحدود، وتعثراتٍ مالية تُربك الأسواق، عاد الذهب ليؤكد مكانته كـ«عملة بديلة» حين تفقد العملات الرسمية ثقتها في الميدان.

 بلغ التوتر ذروته حين تخطت أسعار الذهب، للمرة الأولى في تاريخه، حاجز 4000 دولار للأونصة، وصولاً إلى مستويات تتراوح بين 4040 و 4050 دولاراً للأونصة، لحظة إعداد التقرير، بزيادة تتجاوز 53% منذ بداية العام الجاري، و4% عقب إعلان الإغلاق الحكومي الأمريكي مطلع أكتوبر/تشرين الأول، في لحظةٍ كشفت هشاشة الثقة في أكبر اقتصاد عالمي.

فبينما انشغل الكونغرس بخلافات حزبية عطّلت تمويل الدولة، كانت الأسواق تُترجم الاضطراب إلى هروبٍ جماعي نحو الذهب، وكأن العالم يستعيد ذاكرة الأزمات الكبرى حين يصبح المعدن الأصفر مُرادفاً للأمان.

 ورفع بنك جولدمان ساكس توقعاته لسعر الذهب في ديسمبر/كانون الأول 2026 إلى 4900 دولار للأونصة، مقارنة بـ 4300 دولار في وقت سابق.

صعود صاروخي

 لم يكن الصعود الصاروخي في أسعار الذهب مُجرد انعكاسٍ لتقلص المعروض أو تزايد المُضاربة، بل تجسيداً لتحوّلٍ أعمق في المزاج الاقتصادي العالمي. وبات المستثمرون، والبنوك المركزية على السواء، يتصرفون على أساس أن عصر اليقين المالي الأمريكي قد انتهى، وأن العالم مُقبل على نظام نقدي أكثر تَفتتاً ومتعدد الأقطاب.

طلب عالمي

 بحسب بيانات مجلس الذهب العالمي، بلغ الطلب على المعدن النفيس خلال النصف الأول من هذا العام نحو 2455 طناً، موزعة بين 1206 أطنان في الربع الأول، و1249 طناً في الربع الثاني، وهي أرقام تمثل أعلى مستويات الطلب في نحو عقد من الزمن. وإذا استمرت الوتيرة على حالها، فإن التقديرات الأولية تشير إلى أن الطلب العالمي في عام 2025 قد يتراوح بين 4500 و5500 طن، بزيادة ملحوظة عن متوسط الأعوام السابقة.

ماذا تعكس هذه الأرقام؟

 خلّفت هذه الأرقام وراءها ما هو أعمق من مجرد إقبالٍ استثماري. فارتفاع الطلب يأتي في سياق عالمي مضطرب: إغلاق حكومي أمريكي أربك الثقة في سندات الخزانة، وتصاعد للتوترات بين الشرق والغرب على جبهات متعددة، من البحر الأسود إلى بحر الصين، فضلاً عن حرب العملات الصامتة التي تدفع عدداً متزايداً من الدول إلى تنويع احتياطاتها بالذهب، على حساب الدولار.

 في آسيا، تُواصل البنوك المركزية الصينية والهندية تعزيز احتياطياتها بوتيرة غير مسبوقة، بينما تسعى الاقتصادات الناشئة إلى تقليدها كخط دفاع أمام تقلبات الدولار. وفي الشرق الأوسط، تسجل الأسواق الخليجية طلباً متزايداً مدفوعاً بارتفاع الدخل النفطي وتوسع صناديق الثروة السيادية في شراء الأصول الآمنة. أما في أوروبا، فلا يزال النمو الاقتصادي ضعيفاً مقارنة بالمعايير التاريخية، متأثراً بوضع عالمي غير مستقر، وتراجع للاستثمار، وضعف للطلب الخارجي، بالإضافة إلى ضغوط على سلاسل التوريد، ناهيك عن اتساع الأزمة الحكومية في فرنسا.

دور الأصول الأخرى

 لم يكن الذهب وحده من بين الأصول التي ارتفعت قيمتها بشكل قياسي، إذ سجّلت أسواق الأسهم الرئيسية وعملة البتكوين أرقاماً صعودية لافتة أيضاً، حيث تجاوزت أكبر عملة مشفرة في العالم من حيث القيمة السوقية حاجز الـ 126 ألف الدولار لأول مرة الثلاثاء 7 أكتوبر، فيما سجّلت أسواق الأسهم في “وول ستريت” ولندن وطوكيو مستويات قياسية في جلسات التداول الأخيرة.