بعد 43 يوماً من الشلل الجزئي الذي أصاب الحكومة الأمريكية، طوى الكونغرس أخيراً، صفحة أطول إغلاق في تاريخ الولايات المتحدة، ليعيد فتح المؤسسات والوكالات الفيدرالية التي توقفت عن العمل منذ الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
صوّت مجلس النواب، الذي يهيمن عليه الجمهوريون، بأغلبية ضئيلة على حزمة تمويل أقرّها مجلس الشيوخ، واضعاً حداً لأزمة عطّلت قطاعات حيوية من الاقتصاد الأمريكي، وتركت أكثر من مليون موظف من دون أجور، فيما تبادل الحزبان مسؤولية أزمة الميزانية.
أعاد الاتفاق نحو 670 ألف موظف حكومي إلى مكاتبهم، فيما حصل عدد مماثل ممن واصلوا العمل من دون أجر على رواتبهم المتأخرة. كما استُؤنفت تدريجاً رحلات الطيران التي شهدت فوضى واسعة نتيجة غياب أكثر من 60 ألف مراقب حركة جوية وموظف أمن المطارات.
في مراسم أقيمت في المكتب البيضاوي، وقع الرئيس دونالد ترامب مشروع القانون، متعهداً “بعدم الاستسلام للابتزاز السياسي”، وموجهاً انتقادات حادة للديمقراطيين الذين حمّلهم مسؤولية إغلاق البلاد، واستنزاف 1.5 تريليون دولار من الخزينة، لأسباب سياسية بحتة.
جذور الأزمة.. عقدة “أوباما كير” والإنفاق العام
بدأ الإغلاق في ظل تصاعد الخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين حول ملفين رئيسيين، تمديد إعانات التأمين الصحي ضمن برنامج “أوباما كير”، والقيود المفروضة على الإنفاق الحكومي.
وكما كان متوقعاً، رفض ترامب أي تنازلات تتعلق بتوسيع نطاق الدعم الصحي، ورأى أنه ينبغي توزيع الأموال مباشرة على الأمريكيين ليختار كل منهم الضمان الصحي الذي يناسبه، في حين جعل الديمقراطيون من تلك القضية محور معركتهم داخل مجلس الشيوخ. ومع انقسام الأغلبية الضئيلة للجمهوريين في الكونغرس، دخلت المفاوضات مرحلة أكثر تعقيداً.
على الرغم من تحذيرات وزارة النقل من أن استمرار الإغلاق سيشلّ حركة الطيران مع نهاية الأسبوع آنذاك، تمسّك الطرفان بمواقفهما. ومع مرور الأسابيع، بدأت استطلاعات الرأي تُظهر تراجع شعبية الرئيس وحزبه، إذ حمّل نحو نصف الأمريكيين الجمهوريين مسؤولية الأزمة.
لكن المفارقة أن الديمقراطيين، الذين حققوا مكاسب انتخابية بارزة في نيويورك ونيوجيرسي وفيرجينيا، هم من اضطروا في النهاية إلى التراجع، بعدما وافق عدد من نوابهم على تمرير اتفاق التمويل المؤقت من دون الحصول على تنازلات كبرى من البيت الأبيض.
خلاف داخل الحزبين
أبرزت الأزمة هشاشة التوازن داخل الكونغرس، إذ صادق مجلس النواب على مشروع قانون الموازنة بـ222 صوتاً مقابل 209 أصوات معارضة، وذلك بعد انضمام ستة نواب ديموقراطيين إلى الغالبية، مقابل تصويت نائبين جمهوريين ضد النص. في المقابل، شهد الحزب الديمقراطي انقساماً حاداً بين جناحه الليبرالي الداعي إلى مواجهة ترامب حتى النهاية، وجناحه المعتدل الساعي لتجنّب شلل اقتصادي أطول.
في الوقت ذاته، واجه زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر دعوات إلى الاستقالة من داخل حزبه، واتهامات بالتساهل مع الجمهوريين، على الرغم من أنه صوّت ضد الاتفاق. أما في معسكر ترامب، فقد ظهرت أيضاً بوادر تباين، إذ انتقدت النائبة مارجوري تايلور غرين الرئيس علناً بسبب موقفه من ملف التأمين الصحي، ما دفع ترامب إلى القول إن “حليفته السابقة ضلّت طريقها”.
الاتفاق الذي أنهى الإغلاق لم يمنح أي طرف نصراً واضحاً، فالديمقراطيون لم يحصلوا على ضمانات بشأن تمديد إعانات الصحة، فيما لم يحقق الجمهوريون تقدماً ملموساً في تقليص الإنفاق. وبين هذا وذاك، وجد الأمريكيون أنفسهم يدفعون كلفة الخلاف الحزبي، إذ قدّر مكتب الموازنة في الكونغرس خسائر النمو الناجمة عن الإغلاق بنحو 14 مليار دولار.
انعكاسات اقتصادية ومالية واسعة
جمّد توقف مؤسسات الحكومة الفيدرالية إصدار العديد من البيانات الاقتصادية المهمة، بما في ذلك تقارير الوظائف والتضخم، ما جعل المستثمرين والبنك الاحتياطي الفدرالي يعملون في “ضباب معلوماتي” خلال فترة حساسة من تقييم الاقتصاد الأمريكي. وبينما عاودت الإدارات الفيدرالية عملها، بدأت عجلة الاقتصاد تدور تدريجاً، غير أن تداعيات الإغلاق كانت ملموسة، وتركت أثرها بالفعل في الأسواق المالية والسلع.
في غضون ذلك، ارتفع الذهب للجلسة الخامسة على التوالي بعد توقيع ترامب اتفاق إنهاء الإغلاق، مسجلاً أعلى مستوى له في أكثر من ثلاثة أسابيع عند 4214 دولاراً للأونصة، وسط توقعات بأن عودة تدفق البيانات الاقتصادية سيُعزز رهانات المستثمرين على خفض جديد لأسعار الفائدة. وعادة ما يزدهر المعدن النفيس في بيئة أسعار الفائدة المنخفضة، وأوقات عدم اليقين الاقتصادي.
بالنسبة للمعادن الأخرى، صعدت أسعار الفضة في المعاملات الفورية 1.3% إلى نحو 54 دولاراً للأونصة، وتتجه لأعلى مستوى لها على الإطلاق، والذي لامسته في 17 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. واستقر البلاتين عند نحو1614 دولاراً، كما زاد البلاديوم 0.5% إلى 1481 دولاراً.
يرى محللون أن مجلس الاحتياطي الفدرالي، الذي خفّض الفائدة 25 نقطة أساس الشهر الماضي، سيجد نفسه أمام ضغوط لمواصلة التيسير النقدي لدعم سوق العمل الضعيفة.
في آسيا والمحيط الهادئ، انعكست أنباء إنهاء الإغلاق إيجاباً على الأسواق، إذ ارتفع مؤشر “نيكاي” الياباني بنسبة 0.43%، ومؤشر “هانغ سينغ” في هونغ كونغ بنسبة 0.56%، فيما شهدت المؤشرات الصينية والأسترالية مكاسب محدودة، مدفوعة بتراجع المخاوف من اضطراب الاقتصاد الأمريكي.
إغلاق مؤقت أم هدنة هشة؟
على الرغم من عودة مؤسسات الدولة إلى العمل، تبقى التسوية التي أنهت الإغلاق مؤقتة، فالاتفاق يُموّل الحكومة الفيدرالية حتى 30 يناير/كانون الثاني المقبل فقط، ما يعني أن شبح إغلاق جديد يلوح في الأفق مطلع العام، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل حول الإنفاق والبرامج الاجتماعية.
ويمنح القانون الحكومة مرونة محدودة، ويوقف مؤقتاً حملة ترامب لتقليص عدد موظفي الخدمة المدنية، البالغ عددهم 2.2 مليون موظف، بمقدار 300 ألف موظف. كما خصص التمويل الجديد أموالاً لبرنامج المساعدات الغذائية “سناب” حتى سبتمبر/أيلول، لتفادي تكرار أزمة المساعدات التي طالت أكثر من 42 مليون أمريكي، في حال حصول شلل حكومي جديد.
لكن الخلاف حول “أوباما كير” يظل قائماً. فالديمقراطيون يرون أن تمديد البرنامج مسألة إنسانية واقتصادية في آن واحد، فيما يعتبره ترامب “كابوساً مكلفاً” يجب التخلص منه. ومن المتوقع أن يضاعف عدم التمديد أقساط الضمان الصحي لأكثر من 24 مليون أمريكي يستخدمون “أوباما كير” في 2026، وذلك بحسب مركز الدراسات “KFF” المتخصص في المسائل الصحية.
اختبار سياسي لقيادة ترامب
سياسياً، شكّل الإغلاق اختباراً حقيقياً للرئيس ترامب بعد عودته إلى البيت الأبيض، إذ كشف عن حدود قدرته في إدارة الانقسام الحزبي داخل الكونغرس، وأظهر هشاشة التحالف الجمهوري نفسه.
في الوقت الذي حاول فيه سيد البيت الأبيض تصوير الإغلاق على أنه معركة ضد “ابتزاز الديمقراطيين”، حمّلت استطلاعات الرأي شرائح واسعة من الناخبين الجمهوريين جانباً كبيراً من المسؤولية عن الأزمة. وعلى الرغم من أن توقيعه على الاتفاق وضع حداً لأطول إغلاق في تاريخ البلاد، إلا أن الثمن السياسي كان باهظاً. فالصراع حول التأمين الصحي وتكاليف المعيشة سيبقى محوراً رئيساً في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، وسط تزايد القلق الشعبي من انعكاسات السياسات الاقتصادية الحالية على الأسر الأمريكية.
أزمة تتجاوز الأرقام
أظهر الإغلاق الحكومي الأطول في تاريخ الولايات المتحدة أن الانقسام السياسي العميق لم يعد مجرد خلاف حول مخصصات مالية، بل أصبح صراعاً أيديولوجياً حول دور الدولة وحدود تدخلها في الاقتصاد والمجتمع. فما بين إدارة تسعى إلى تقليص الإنفاق والبرامج الاجتماعية، ومعارضة تُصرّ على توسيع مظلة الحماية الصحية وتمويل الوكالات الفيدرالية، يقف الاقتصاد الأمريكي حائراً أمام اختبار ثقة واستقرار، في مرحلة تتعاظم فيها التحديات العالمية.
قد يكون توقيع ترامب على الاتفاق نهاية لأزمة بيروقراطية، لكنه بالتأكيد ليس نهاية الخلاف السياسي الذي أجّجها، فواشنطن على موعد مع فصل جديد من معركة التمويل والسياسات الاجتماعية مطلع العام المقبل.















