بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

أمن الملاحة والطاقة

إيران تحوّل الممرات البحرية إلى سلاح وتُحمّل المنطقة والعالم ثمن مشروعها العدواني

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تحوّل إيران الممرات البحرية إلى سلاح استراتيجي، وتستخدم أمن الملاحة والطاقة لابتزاز المنطقة وإجبار الاقتصاد العالمي على تحمّل جانب من كلفة مشروعها التخريبي. ولم يعد استهداف السفن وتعطيل طرق الإمداد مجرد أدوات عسكرية مرتبطة بجولة من جولات الصراع، بل أصبح جزءاً من نهج أوسع يحوّل نقاط الاختناق البحرية إلى أوراق نفوذ وتهديد.

تُغرق طهران المنطقة في بيئة أمنية لا تستهدف خصوماً محددين فحسب، بل تمتد آثارها إلى المصالح التي تقوم عليها التجارة والطاقة الدولية، فهي تتحرك مباشرة في مضيق هرمز، وتستفيد من حلفائها المسلحين لتهديد باب المندب، فيما تنظر إلى خطوط نقل النفط والمسارات البديلة باعتبارها نقاطاً يمكن استهدافها كلما أرادت رفع ثمن المواجهة.

بهذا الأسلوب، لا توظف إيران موقعها الجغرافي لحماية مصالحها، بل تستخدمه لفرض كلفة إضافية على الآخرين، فارتفاع مخاطر العبور ينعكس سريعاً على التأمين والشحن، ويدفع الناقلات إلى تغيير مساراتها، فتنتقل تداعيات المواجهة من المياه الإقليمية إلى الأسواق وسلاسل الإمداد.

لا تكمن الخطورة في احتمال إغلاق مضيق واحد، بل في بناء طهران منظومة مترابطة من نقاط الضعف تستطيع من خلالها التأثير في حركة الطاقة والتجارة من الخليج وصولاً إلى المسارات المؤدية إلى أوروبا.

إيران تصنع أزمة مفتوحة

تتعامل طهران مع مضيق هرمز باعتباره نقطة ضعف استراتيجية يمكن توظيفها عسكرياً وسياسياً. ومع تصاعد الهجمات على السفن التجارية، لم يعد الخطر مرتبطاً فقط بإغلاق المضيق، بل بقدرة إيران على جعل المرور فيه عملية عالية المخاطر.

في 9 سبتمبر/أيلول الجاري، أعلنت إيران أنها هاجمت 10 سفن قرب المضيق، في واحدة من أكبر موجات التصعيد البحري منذ بدء الحرب. وفي اليوم التالي، انخفض عدد السفن التي عبرت هرمز إلى 7 فقط، مقابل متوسط بلغ 15 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، ونحو 125 عبوراً يومياً قبل الحرب. كما سجلت المنظمة البحرية الدولية عشرات الحوادث في المنطقة، شملت أضراراً لحقت بسفن وسقوط قتلى بين أفراد الأطقم.

ولا تحتاج طهران إلى إغلاق هرمز بالكامل لتحقيق أثر استراتيجي. يكفي أن يصبح العبور محفوفاً بالمخاطر حتى تعيد شركات الشحن حساباتها، وترتفع أقساط التأمين، وتزداد تكاليف الحماية، وتتردد بعض السفن في دخول المنطقة.

هكذا يتحول الخطر نفسه إلى أداة اقتصادية. الكلفة لا تبقى محصورة في الدول الموجودة على خط المواجهة، بل تنتقل إلى شركات النقل ومستوردي الطاقة والمستهلكين، قبل أن تجد طريقها إلى الاقتصاد العالمي.

ضرب البدائل وتوسيع الخطر

لا تقتصر الحسابات الإيرانية على المضيق الذي تمر عبره صادرات الخليج، بل تمتد إلى المسارات التي يفترض أن تخفف الاعتماد عليه.

ويبرز في هذا السياق خط أنابيب “شرق-غرب” السعودي الممتد من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع، والذي يوفر منفذاً استراتيجياً لتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز ويمكنه نقل ملايين البراميل يومياً. وقد تعرض الخط لهجوم، في تطور يضيف البنية التحتية البرية إلى قائمة الأهداف التي يمكن أن تتأثر بتصعيد الصراع.

تكمن أهمية الحادث في دلالته الاستراتيجية، إذ يوضح أن البنية التحتية المصممة لتجاوز الاختناقات البحرية يمكن أن تصبح هي الأخرى عرضة للاستهداف. ومع اتساع نطاق المخاطر، يتقلص هامش المناورة أمام ناقلات النفط وتزداد حساسية الأسواق لأي اضطراب جديد.

عندها لا يعود الأمر متعلقاً بممر بحري بعينه، بل بمنظومة كاملة لنقل الطاقة والتجارة. وكلما تراجعت البدائل الآمنة، أصبحت قدرة طهران على التأثير في حسابات خصومها أكبر، وازدادت الكلفة التي يتحملها الاقتصاد الدولي.

شبكة نفوذ متعددة الاتجاهات

يعمل هرمز وباب المندب كجبهتين متصلتين ضمن سلسلة استراتيجية تمتد من الخليج عبر المحيط الهندي إلى البحر الأحمر وقناة السويس والأسواق الأوروبية.

في هرمز، تمتلك إيران قدرة مباشرة على تهديد السفن وتعطيل حركة الطاقة، أما في باب المندب، فيوفر الحوثيون لها امتداداً غير مباشر يسمح بإرباك الملاحة عند المدخل الجنوبي، فيما تنتقل تداعيات ذلك إلى الطريق المؤدي إلى قناة السويس وأوروبا.

وتظهر قيمة هذه المنظومة في قدرتها على توزيع المخاطر، إذ إن تعقيد الحركة في الخليج يرفع أهمية المسارات البديلة، بينما يؤدي اضطراب باب المندب إلى رحلات أطول وتكاليف تشغيل وتأمين أعلى. وبذلك تستطيع طهران وحلفاؤها التأثير في حركة التجارة من أكثر من اتجاه من دون الحاجة إلى السيطرة المباشرة على كامل الطريق.

وتزداد أهمية باب المندب مع استيلاء الحوثيين على جزيرة ميون (Perim)، ذات الموقع الاستراتيجي في مدخل المضيق، والتي تقسمه إلى مسارين ملاحيين. ولا تحتاج إيران إلى امتلاك الجزيرة حتى تستفيد من موقعها، إذ يكفي أن يمتلك حليفها المسلح القدرة على جعل المرور في محيطها أكثر خطورة.

وهنا تتضح وظيفة هذه الشبكة: يمنح هرمز طهران قدرة على التأثير في تدفق الطاقة الخارج من الخليج، بينما يمنحها باب المندب وسيلة لإرباك حركة التجارة بعد مغادرة المنطقة.

نفوذ قائم على التعطيل

يندرج هذا الأسلوب ضمن نمط أوسع في السياسة الإيرانية يقوم على استثمار الصواريخ والميليشيات والوكلاء والتهديدات غير المباشرة لتحويل نقاط الضعف الإقليمية إلى أدوات تفاوض.

لا تحتاج طهران إلى إدارة الممرات بنفسها حتى تؤثر في حركة السفن، إذ يكفي أن تمتلك القدرة على تعطيل عقد رئيسة، مباشرة أو عبر حلفائها، حتى تصبح حماية التجارة والطاقة أكثر كلفة وتعقيداً.

وهذه هي ميزة استراتيجية الوكلاء بالنسبة إليها: توسيع مساحة المواجهة من دون تحمل أعباء السيطرة المباشرة. فالحوثيون يتحركون جنوباً، بينما تحتفظ إيران بقدرتها العسكرية في الخليج، لتصبح الضغوط موزعة على أكثر من جبهة وأكثر من اتجاه.

لكن هذا النموذج يحمل نقطة ضعف أساسية، فالدول المتضررة لا تبقى رهينة لهذا النوع من النفوذ إلى ما لا نهاية، بل تبدأ في تعزيز حماية الممرات، وتطوير خطوط بديلة، وتنويع مصادر الطاقة، وتقليل اعتمادها على المسارات التي يمكن لطهران أو حلفائها تعطيلها.

حدود المشروع الإيراني

قد تتمكن إيران من إصابة سفينة، أو تهديد ناقلة، أو رفع كلفة الطاقة، أو تحريك وكيل مسلح لفتح جبهة جديدة. لكنها لا تستطيع تحويل هذه القدرة على الإرباك إلى نفوذ سياسي مستدام.

الخوف قد يفرض الحذر، لكنه لا يصنع شراكة. والابتزاز قد يمنح طهران مكاسب مؤقتة، لكنه يدفع خصومها إلى بناء ترتيبات أمنية واقتصادية تقلص قدرتها على التأثير. وهنا تظهر المفارقة الأساسية في المشروع الإيراني: كلما وسّعت طهران نطاق التعطيل، دفعت الآخرين إلى البحث عن وسائل لتجاوزها. وكلما رفعت كلفة الطرق التي تعتمد عليها التجارة الدولية، حفزت الدول المتضررة على الاستثمار في بدائل أكثر أمناً.

لهذا تستطيع إيران إرباك المنطقة أكثر مما تستطيع قيادتها، وإرهاق خصومها أكثر مما تستطيع إخضاعهم، وصناعة الأزمات أسرع مما تستطيع بناء نظام إقليمي يخدم مصالحها.

وفي النهاية، لا تتحول الجغرافيا إلى مصدر نفوذ دائم لمجرد امتلاك القدرة على تعطيلها. فقد تستخدم طهران الممرات البحرية لفرض كلفة على العالم، لكنها في الوقت نفسه تدفع هذا العالم إلى بناء منظومة أكثر قدرة على تجاوز نفوذها وتقليص هامش المناورة أمامها.