تحوّل اليمن إلى ساحة تتداخل فيها ثلاثة مستويات من الصراع: حرب داخلية على السلطة ومؤسسات الدولة، ومواجهة إقليمية ترتبط باستراتيجية إيران في توسيع نفوذها، وتهديد عابر للحدود يستهدف السعودية والملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.
لا يمكن فهم التصعيد الذي تنفذه جماعة أنصار الله (الحوثيون) بمعزل عن هذا الترابط؛ فالجماعة التي سيطرت على صنعاء بالقوة عام 2014 لم تكتفِ بإعادة تشكيل السلطة داخل اليمن، بل طورت قدرات عسكرية تتيح لها توسيع المواجهة خارج حدوده، مستفيدة من الدعم الإيراني والموقع الجغرافي للبلاد.
لم تنتهِ الحرب الداخلية، بل تغيرت طبيعتها وأدواتها، كما ظلت البنية العسكرية للحوثيين متماسكة، فيما بقيت الحكومة المعترف بها دولياً عاجزة عن استعادة العاصمة وتوحيد القوى المناهضة للجماعة. ومع اتساع التهديد ليشمل السعودية والممرات البحرية، أصبح مستقبل اليمن مرتبطاً بتوازنات إقليمية تتجاوز حدوده، من دون أن تتراجع كلفة الحرب على سكانه.
الحرب الداخلية وبنية السلطة
شكّل انقلاب الحوثيين عام 2014، واستيلائهم على العاصمة، بداية لإعادة تشكيل قسرية لمؤسسات الدولة ومراكز القوة فيها. فقد وسّعت الجماعة نفوذ المشرفين والكوادر الموالية لها، وأخضعت قطاعات من المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية لاعتبارات تنظيمية وعقائدية. وتحولت مؤسسات يفترض أن توفر الخدمات وتدير الموارد وتحمي المواطنين إلى أدوات للضبط السياسي والتعبئة والتمويل، بالتزامن مع تصاعد الجبايات وتدهور الخدمات واستمرار أزمة الرواتب والتدخل في التعليم والإعلام والحريات العامة.
في المقابل، لم تتمكن الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً من تحويل الاعتراف الخارجي إلى سلطة موحدة قادرة على فرض قراراتها ميدانياً. فقد أضعف الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وتعدد التشكيلات المسلحة ومراكز القرار، والتنافس على الموارد والنفوذ، قدرتها على إدارة مواجهة متماسكة. كما أن اختلاف أجندات القوى المناهضة للجماعة جعل استعادة الدولة مرتبطة بصراع داخلي إضافي على شكل السلطة ومستقبل المناطق المحررة.
على الأرض، انتقلت الحرب من محاولات الحسم الواسع إلى حالة من الجمود العسكري النسبي وخطوط التماس المتغيرة، مع بقاء صنعاء ومناطق واسعة في الشمال تحت سيطرة الحوثيين، واستمرار الانقسام السياسي والعسكري في بقية البلاد. ولم تعنِ فترات التهدئة إنهاء الصراع، بل خفّضت مستوى المواجهة من دون معالجة جذوره، فيما احتفظت الأطراف بقدراتها العسكرية وأدوات الضغط.
تكمن المشكلة في أن استمرار الانقسام أنتج مصالح سياسية واقتصادية وأمنية مرتبطة ببقاء سلطات الأمر الواقع. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت صعوبة إعادة بناء دولة تحتكر السلاح والقرار، حتى لو توافرت تسوية لوقف القتال.
إيران وتوسيع جبهة الصراع
تندرج العلاقة بين إيران والحوثيين ضمن استراتيجية إقليمية تقوم على دعم قوى مسلحة خارج حدودها، بما يمنح طهران أدوات ضغط على خصومها عبر جبهات متعددة. ويوفر اليمن موقعاً مهماً لهذه الاستراتيجية، نظراً إلى قربه من السعودية وإشرافه على مضيق باب المندب واتصاله بخطوط التجارة الدولية.
وتشير تقارير دولية وتحقيقات أممية إلى تشابه بين منظومات حوثية للصواريخ والطائرات المسيّرة وأسلحة إيرانية، إلى جانب أدلة على وصول مكونات عسكرية وخبرات تقنية إلى الجماعة. ولا يعني ذلك أن كل قرار حوثي يصدر بتوجيه إيراني مباشر، لكنه يوضح أثر الدعم الخارجي في تطوير قدرات أتاحت للجماعة توسيع عملياتها.
تستفيد طهران من هذه العلاقة بتوسيع خيارات الضغط الإقليمي، بينما يستفيد الحوثيون من الموارد والخبرات التي تعزز قدرتهم على الصمود والتصعيد. ومع ذلك، لا تتطابق حسابات الطرفين بالضرورة؛ فإيران تنظر إلى الجماعة باعتبارها جزءاً من شبكة نفوذ إقليمية، فيما تسعى الأخيرة أيضاً إلى تثبيت سلطتها الداخلية وتحسين شروط بقائها وتفاوضها.
السعودية تحت ضغط الصواريخ
تمثل الهجمات الحوثية على السعودية امتداداً لهذا التداخل بين الحرب الداخلية والاستراتيجية الإقليمية. وتمنح الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الجماعة قدرة على تهديد الأراضي السعودية والمنشآت الحيوية، وترفع كلفة الدفاع، وتزيد مخاطر التصعيد على جانبي الحدود.
لكن هذه الهجمات تحمل تناقضاً استراتيجياً؛ إذ إن توسيع نطاق المواجهة يرفع احتمالات عودة الحرب الواسعة، ويضعف فرص التوصل إلى تفاهمات أمنية وسياسية مستقرة. كما يعقّد بناء علاقات طبيعية مع الجوار، وهي علاقات يحتاج إليها اليمن لإعادة الإعمار واستعادة التجارة والاستثمار.
ولا يقتصر أثر التصعيد على المواجهة العسكرية، بل يمتد إلى مستقبل التسوية نفسها. فاستمرار تهديد السعودية يُعقّد فصل الملف اليمني عن التنافس بين الرياض وطهران، ويجعل التهدئة أقل قدرة على التحول إلى مدخل لاستعادة الدولة. وبدلاً من توجيه الموارد نحو التعافي، يبقى اليمن معرضاً لتبعات صراع تتجاوز أولوياته الوطنية.
البحر الأحمر ساحة إضافية
وسّع استهداف السفن التجارية وتهديدها نطاق النزاع من الأراضي اليمنية والسعودية إلى خطوط التجارة العالمية، محولاً أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب إلى عنصر في معادلة الردع الإقليمي.
تمنح الجغرافيا الحوثيين قدرة على إرباك حركة الشحن ورفع تكاليف التأمين والنقل، كما قد تدفع الهجمات إلى انتشار عسكري دولي أوسع. لكن تهديد الممرات الدولية لا يعني القدرة على التحكم في نتائج التصعيد؛ فقد تؤدي الهجمات إلى ردود عسكرية تزيد من عزلة الجماعة وتفاقم المخاطر على اليمن.
وتطال الكلفة الاقتصاد اليمني نفسه، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتلبية احتياجاته. فأي اضطراب في الموانئ وخطوط الإمداد يفاقم الضغوط على أسعار السلع الأساسية ويضعف فرص التعافي، فيما يزيد الحضور العسكري في البحر الأحمر تعرض الساحل اليمني للمواجهات.
اقتصاد الحرب ومصالح البقاء
يساعد اقتصاد الحرب على تفسير صعوبة الانتقال من الهدنة إلى تسوية مستدامة، إذ إن استمرار الانقسام يتيح نشوء شبكات جباية ومصالح ترتبط بالسيطرة على الأراضي والمعابر والمؤسسات. وتخضع الموارد في مناطق سيطرة الحوثيين لاحتياجات الجماعة العسكرية والتنظيمية، بينما تواجه قطاعات واسعة من السكان تراجع الخدمات وفرص العمل والدخل.
لا تقتصر المشكلة على مناطق الحوثيين؛ فتعدد مراكز القرار والتشكيلات المسلحة في مناطق الحكومة والقوى المناهضة للجماعة يعرقل بناء مؤسسات موحدة، ويمنح أطرافاً محلية مصالح في استمرار نفوذها خارج إطار الدولة. وهكذا قد يصبح استمرار الانقسام أقل كلفة على بعض مراكز القوة من التنازل عن امتيازاتها.
تتجاوز آثار الحرب الجانب الاقتصادي إلى البنية الاجتماعية، مع تدخل الحوثيين في المناهج وتقييد المجال العام. لذلك لن تكون التسوية مجرد وقف لإطلاق النار أو تقاسم للمناصب، بل ستتطلب استعادة مؤسسات محايدة وضمان حقوق المواطنين ومنع تحويل الاختلاف السياسي والمذهبي إلى أساس للتمييز والإقصاء.
استعادة الدولة شرط الاستقرار
لا يمكن فصل أمن السعودية وحرية الملاحة في البحر الأحمر عن مستقبل الحرب الداخلية في اليمن. قد تحدّ المعالجة العسكرية من بعض القدرات الحوثية، لكنها لا تكفي وحدها لتفكيك البنية التي تسمح للجماعة بإعادة إنتاج قوتها. كما أن التفاهمات الإقليمية لن تضمن استقراراً دائماً ما دام اليمن منقسماً بين سلطات مسلحة ومؤسسات متنافسة.
يتطلب المسار الأكثر استدامة توحيد القرار العسكري والأمني تحت سلطة وطنية، وإنهاء استقلال التشكيلات المسلحة عن مؤسسات الدولة، وضبط تدفقات السلاح والخبرات الخارجية، وإعادة بناء المؤسسات الإيرادية والخدمية. ويقتضي ذلك أيضاً معالجة الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، حتى لا تتحول استعادة الدولة إلى شعار يخفي استمرار تعدد مراكز القوة.
أما تقليص قدرة إيران على توظيف اليمن في صراعات المنطقة، فيرتبط بوقف الدعم العسكري الذي يعزز التصعيد، وبترتيبات إقليمية تحمي السعودية والملاحة الدولية من التهديدات العابرة للحدود. لكن المسؤولية لا تقع على الخارج وحده؛ فبناء تسوية يمنية قابلة للحياة يتطلب معالجة جذور الانقسام، وتوحيد المؤسسات، ووضع ضمانات تمنع احتكار السلطة والسلاح.
أصبح اليمن أكثر من ساحة حرب أهلية، لكنه لم يتجاوز أزمته الداخلية إلى موقع القوة الإقليمية. وما لم يتغير هذا المسار، ستظل الهجمات على السعودية والملاحة امتداداً لحرب لم تُحسم داخل اليمن، وستبقى فرص السلام رهينة توازنات تمنح أطراف الصراع أدوات للاستمرار أكثر مما تمنح المجتمع أسباباً للخروج منه.















