الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

مقالات مشابهة

سينما

“سينما الهامش” في الجزائر.. كيف صنعت كاميرات الظل ذاكرة بديلة خارج المركز

الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

حين يُستعاد تاريخ السينما الجزائرية، غالباً ما تتقدم إلى الواجهة أسماء المركز ومؤسساته، والأفلام التي عبرت إلى المهرجانات أو وجدت سنداً في التمويل والإنتاج الرسمي. لكن، إلى جانب هذا التاريخ المرئي، تشكّلت ذاكرة أخرى أقل صخباً وأكثر التصاقاً بالحياة اليومية: ذاكرة سينما الهامش، أو سينما الظل. لا يشير الهامش هنا إلى الجغرافيا وحدها، بل إلى موقع فني وثقافي خارج دوائر الاعتراف والاهتمام؛ حيث الجنوب والقرى والمدن الداخلية، وحيث الشخصيات المنسية والحكايات التي لم تجد مكانها في السردية السينمائية السائدة.

تتجلى سينما الهواة كأحد أبرز وجوه سينما الهامش. كاميرات صغيرة، وعتاد هزيل وأفلام لا تتجاوز دقائق معدودة. لكن خلف هذه الهشاشة التقنية، طاقة إبداعية لافتة، أنتجت أسماء وتجارب أصبحت اليوم جزءاً من الذاكرة السينمائية الجزائرية: أحمد زير (العلمة – سطيف) في أعماله “أن نكون” (1979) و”نهاية العالم غداً” و”الطابور”، أو سينما مسعود بشوطي (الجلفة) الذي قدّم فيلماً واحداً لافتاً بعنوان “بين أربعة جدران” (1982)، قبل أن يختفي تقريباً من المشهد. الفيلم يرصد حياة فتاة ريفية محاصرة داخل بيتها، محرومة من التعليم والحرية، في معالجة تعكس واقعاً اجتماعياً قاسياً في الأرياف الجزائرية. 

هامش المكان وهامش الذاكرة 

لا يقتصر الهامش على المكان الاجتماعي، بل يمتد إلى الذاكرة الثقافية نفسها. في هذا السياق يندرج فيلم “وصية سيناك” للمخرج عمر خضرون، الذي يمنح الكلمة للكاتب والشاعر والأكاديمي الجزائري الراحل “حميد ناصر خوجة”، متحدثاً عن علاقته بالشاعر “جان سيناك”، أو يحيى الوهراني كما صار اسمه خلال ثورة التحرير، جزائري المولد في بني صاف وأوروبي الأصل، مقدماً إياه للجزائريين الذين لا يعرفونه قائلاً: “لا أحد يعرف أن سيناك كان ناقداً. الكل كان يعتبره شاعراً أو مذيعاً وكفى، ولا أحد يتذكر أن سيناك هو أول من لفت الانتباه لمولود فرعون في العام 1946، ولكاتب ياسين ومحمد ديب في العام 1948”. 

هذا النوع من الأفلام لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يعيد الاعتبار لشخصيات ظلت خارج الضوء الثقافي الرسمي أو لم تنل ما يكفي من التناول النقدي. هنا يصبح الهامش هامشاً مزدوجاً: هامش المكان وهامش الذاكرة.

الفرد الجزائري في قلب الصورة

تبرز سينما الهامش كسينما اجتماعية بامتياز. فهي تضع الفرد الجزائري في مركز الحكاية أي في مواجهة بطالته اليومية، هشاشته، أحلامه، وانكساراته. في هذه السينما، لا يُنظر إلى المجتمع ككتلة، بل كأفراد يعيشون توترات الحياة اليومية: البطالة، الهجرة، القهر الاجتماعي، والتحولات الثقافية. وهي سينما تجعل المجتمع يرى نفسه، حتى حين يكون هذا النظر مؤلماً أو غير مريح. هنا تبرز مثلاً أفلام حميد بن عمرة، أو “المخرج المنفرد بنفسه” الذي يبحث عن الموضوعات وناسها بعيداً عن المركز، عبر أفلام كثيرة  أخرجها وأنتجها في فترة الثلاثين سنة الماضية: “هواجس” و “حزام” و “شيء من الحياة.. شيء من الحلم”.

GWA

وفي حوار جميل ومهم مع الناقد السينمائي عبد الكريم قادري، يلخِّص بن عمرة بعبقرية جوهرية أن تكون مستقلاً وحراً في العمل السينمائي بلا ميزانيات ضخمة، عندما يقول :” كوبريك كان حُراً فعلاً لكن بميزانيات ضخمة، وأنا حُرّ مثله بميزانية الرغيف اليومي وديون طائلة. الحرية التامة لا وجود لها إلا إذا أنتجت أنت شخصياً أفلامك. إن عدم الخوف من فقدان الامتيازات يحرر ذهنيتك”.

الشغف كمؤسسة بديلة.. رغم الهشاشة المادية

رغم غياب التمويل وضعف البنية التحتية، استمرت هذه التجارب بفضل عنصر واحد: الشغف. كان هذا الشغف هو المؤسسة الحقيقية التي عوضت غياب المؤسسات الرسمية. نوادٍ سينمائية، جمعيات محلية، مبادرات شبابية في مختلف ولايات الجزائر، كلها شكلت شبكة غير مرئية حافظت على استمرارية النشاط السينمائي. هنا أيضاً يبرز اسم  المخرج عبد القادر قيدوم، المتوّج فيلمه الروائي القصير “coup de pouce” بجائزة “السنبلة الذهبية” أكبر جوائز الأيام السينمائية في سطيف قبل سنتين فقط. الفيلم يجسّد فعلاً سينما الظل التي ترتوي من الشغف لتفرض حضورها وتحصد التقدير. فالفيلم يروي قصة “زدام”، المهندس الحالم الذي يجد نفسه ممزقاً بين الحفاظ على براءته وأحلامه أو الخضوع لمتطلبات المؤسسة المهنية. لقد صرّح عبد القادر قيدوم للصحافة بأنه أنجز الفيلم خارج دوائر الإنتاج التقليدية، ومن دون موارد مالية معتبرة، وأن شغف فريق العمل وحبهم للسينما كان المال كله. 

تكشف هذه التجربة أن قيمة الفيلم لا تقاس دائماً بحجم ميزانيته، بل بقدرته على ملامسة أسئلة الإنسان وهمومه. كما تؤكد أن الهامش، رغم هشاشته المادية، قادر على إنتاج أعمال تمتلك من الصدق والقوة ما يجعلها تنافس إنتاجات أكثر وفرة من حيث الإمكانات.

من تينركوك إلى اللامركزية: رهانات الدولة والواقع

في محاولة لتخفيف مركزية الإنتاج السينمائي، تم إطلاق مشاريع مثل المدينة السينمائية في الجنوب الجزائري (قصر تينركوك)، بهدف دعم المواهب المحلية وتشجيع الإنتاج خارج العاصمة. غير أن هذه المبادرات، رغم أهميتها الرمزية، تكشف أيضاً حقيقة أعمق وهي أن سينما الهامش كانت موجودة قبل المشاريع، وأن ما ينقصها ليس فقط الفضاءات، بل منظومة إنتاج مستمرة تعترف بها وتستوعبها. فالفيلم الذي يُنجز في  تمنراست أو بوسعادة أو الجلفة أو بشار أو أدرار أو سطيف بجهود تطوعية، أو بكاميرا شخصية، أو داخل جمعية ثقافية صغيرة، هو جزء من الهامش حتى قبل أن يبدأ تصوير أول مشهد فيه. ولهذا يغدو  لسينما الهامش في الجزائر ثلاثة أبعاد متداخلة: هامش جغرافي (خارج العاصمة والمراكز الكبرى)، وهامش موضوعاتي (الاهتمام بالمنسيين وقضاياهم)، وهامش إنتاجي (العمل بإمكانات محدودة أو شبه منعدمة). 

في النهاية، لا يمكن اختزال سينما الهامش في كونها سينما فقيرة أو بديلة أو هامشية بالمعنى السلبي. إنها في جوهرها سينما أخرى، صنعت خارج المركز، لكنها لم تكن أقل وعياً أو أقل جرأة. لقد منحت هذه السينما صوتاً لمن لا صوت لهم، وصورة لمن لا صورة لهم، وذاكرة لما كان مهدداً بالنسيان. وربما أهم ما تكشفه اليوم هو أن الهامش لم يكن يوماً فراغاً، بل كان دائماً مساحة إنتاج، ومساحة معنى، ومساحة مقاومة هادئة للغياب. إنها سينما الظل، نعم، لكنها أيضاً السينما التي علمتنا أن الضوء لا يأتي دائماً من المركز.