الخرطوم - كمال كروري
الخرطوم - كمال كروري

مقالات مشابهة

إسلام سياسي

إخوان السودان وإستراتيجية البقاء.. هندسة واجهة سياسية جديدة في مواجهة العزلة الدولية والتصنيف الإرهابي

الخرطوم - كمال كروري
الخرطوم - كمال كروري

تعكف مجموعات داخل تنظيم “الإخوان المسلمين” في السودان على إطلاق مبادرة جديدة لتوحيد كيانات ذات مرجعية إسلامية في جسم سياسي جديد بواجهة وطنية، في محاولة للتأقلم مع الضغوط الدولية والمحلية المتصاعدة، التي باتت تشكل تهديداً وجودياً للتنظيم، خصوصاً بعد تصنيفه جماعة إرهابية بموجب قرار أصدرته الإدارة الأميركية في العاشر من مارس/آذار 2026.

تأتي الخطوة وسط مؤشرات على سعت الجماعة إلى استثمار الحرب المستمرة في السودان لإعادة تنشيط خلايا وشبكات قديمة تشكلت نواتها في تسعينيات القرن الماضي، وهي المرحلة التي ارتبط فيها السودان بعدد من الأنشطة والشبكات الإرهابية التي أثارت قلقاً دولياً واسعاً.

ويُعتقد على نطاق واسع أن القدرات المالية والإعلامية التي لا يزال التنظيم يمتلكها قد تمنحه هامشاً للمناورة وبناء واجهات جديدة، غير أن مراقبين يرون أن هامش الحركة بات أضيق من أي وقت مضى، بسبب انكشاف أدواته محلياً ودولياً، واحتراق العديد من الأوراق التي ظل يستخدمها للالتفاف على الضغوط.

اختراق الطرق الصوفية

في هذا السياق، كثّف التنظيم، عبر قيادات ميدانية متحالفة مع الجيش، تواصله مع قيادات الطرق الصوفية التي تحظى بحضور اجتماعي واسع في السودان، لكنها ظلت تاريخياً بعيدة عن البنية التنظيمية للإخوان.

وخلال الفترة بين أبريل/نيسان ومايو/أيار 2026، زار قائد كتيبة البراء، التي توصف بأنها الجناح المسلح للتنظيم، عدداً من زعماء الطرق الصوفية في وسط وشرق وشمال السودان، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لحشد ولاء تلك الزعامات أو تحييدها ضمن ترتيبات سياسية جديدة.

ووفقاً لتسريبات إعلامية، عقدت قيادات إخوانية سلسلة اجتماعات في عدد من العواصم العربية مع شخصيات منشقة من حزبي “الأمة” و”الاتحادي الأصل” بزعامة محمد عثمان الميرغني، بهدف تشكيل تيار وطني جديد. وتربط تقديرات سياسية هذه التحركات بمساعي قيادة الجيش للبحث عن حاضنة سياسية توفر غطاءً مدنياً لاستمرار نفوذها.

محاولات متكررة لتغيير الجلد

لا تبدو التحركات الجديدة معزولة عن مسار طويل بدأ منذ الأشهر الأولى التي أعقبت الإطاحة بنظام الإخوان في أبريل/نيسان 2019. ففي العام 2020، بدأ التنظيم البحث عن ثوب سياسي جديد يعيده إلى الساحة، مستفيداً من شبكات واسعة بناها على مدى ثلاثة عقود، شملت جماعات ذات ارتباطات عقدية، ومجموعات مصالح اقتصادية، وواجهات دعوية وخيرية وإعلامية.

وفي العام 2021، وبعد سلسلة ملاحقات طالت أنشطته السياسية والاقتصادية، حاول التنظيم جمع مجموعات موالية له تحت مظلة جديدة، لتعلن ثمانية تنظيمات لاحقاً تدشين كيان حمل اسم “التيار الإسلامي العريض”.

ضم ذلك التيار كيانات سياسية وتشكيلات عسكرية ذات ارتباط عقدي أو اقتصادي بالتنظيم، إلى جانب شبكة مجتمعية واسعة من المنظمات والجمعيات الدعوية والخيرية، فضلاً عن مجموعات متشددة مثل حزب دولة القانون والتنمية، الذي يقوده محمد علي الجزولي المعروف بولائه لتنظيم “داعش”. ويحتجز الجزولي منذ الأسابيع الأولى لاندلاع الحرب لدى قوات الدعم السريع، وسط غموض بشأن مصيره.

مأزق التصنيف الإرهابي

منذ استيلائه على السلطة في يونيو/حزيران 1989، ظلت ممارسات تنظيم الإخوان في السودان تحت مجهر السودانيين والمجتمع الدولي. ومهدت تلك الممارسات، الممتدة على مدى ثلاثة عقود، الطريق أمام تصنيفه جماعة إرهابية في مارس/آذار 2026.

وتشمل الاتهامات الموجهة للتنظيم استضافة قادة جماعات إرهابية دولية في السودان خلال تسعينيات القرن الماضي، وارتكاب انتهاكات واسعة شملت التعذيب والقتل الممنهج بحق آلاف المعارضين المدنيين، فضلاً عن التخطيط أو المشاركة في عمليات إرهابية خارجية، من بينها محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، وما ارتبط لاحقاً بملفات تفجير السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998، والهجوم على المدمرة الأميركية “يو إس إس كول” قرب سواحل اليمن عام 2000.

وبعد إسقاط نظامه بثورة شعبية في إبريل/نيسان 2019، استخدم التنظيم مراكز القوة الأمنية والاقتصادية والإعلامية التي بناها على مدى ثلاثين عاماً لعرقلة التحول المدني، قبل أن يتهمه خصومه بالمساهمة في تمهيد الطريق للحرب التي اندلعت في العام 2023.

كانت سياسات التنظيم قد أدخلت السودان، منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، في عزلة دولية قاسية كلفت البلاد خسائر بمئات المليارات من الدولارات، قبل أن تنجح الحكومة المدنية بقيادة عبدالله حمدوك في إخراج السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

عوامل تكبل التحركات الجديدة

رغم تاريخ التنظيم الطويل في تغيير واجهاته ومسمياته، يشكك مراقبون في قدرته على تكرار التجربة بالفاعلية ذاتها هذه المرة. التنظيم الذي غير جلده مرات عدة منذ تأسيسه في أربعينيات القرن الماضي، يواجه اليوم بيئة مختلفة محلياً ودولياً، بعد اتساع الإدراك بطبيعة واجهاته الخفية والعلنية.

يقول الكاتب الصحفي محمد المختار محمد، إن “تصنيف التنظيم جماعة إرهابية أغلق معظم الثغرات التي كان يستخدمها للعودة إلى الحياة السياسية بمسميات جديدة كلما اشتد عليه الضغط الدولي والشعبي”.

ويضيف: “بات المجتمع المحلي والدولي أكثر إدراكاً لطبيعة الواجهات التي يستخدمها التنظيم. قدرة الإخوان على الظهور بثوب جديد تضاءلت كثيراً، لأن أي مجموعة كان يستخدمها كغطاء ستتردد هذه المرة في التحالف معه خوفاً من مآلات التصنيف الإرهابي”.

وتتزايد المخاوف مع بروز مؤشرات على ارتباطات بين مجموعات تابعة للتنظيم وتنظيمات إرهابية دولية مثل “داعش” و”حركة الشباب الصومالية” و”بوكو حرام” في غرب إفريقيا، إضافة إلى علاقات مع الحرس الثوري الإيراني وجماعة الحوثي في اليمن.

قدرة على المقاومة

مع ذلك، وبعد نحو سبعة أعوام على الإطاحة بنظامه، لا يزال التنظيم يحتفظ بنفوذ مالي وإعلامي واسع، تعزز أكثر بعد انقلاب قائد الجيش عبدالفتاح البرهان في أكتوبر/تشرين الأول 2021، الذي قطع الطريق أمام التحول المدني الذي أعقب سقوط نظام الإخوان.

وخلال ثلاثة عقود من السيطرة على الدولة، تمكن التنظيم من بناء قاعدة مالية ضخمة قدرت بأكثر من 100 مليار دولار، عبر تمكين عناصره داخل مفاصل الاقتصاد والتجارة والمؤسسات العامة، مقابل دفع حصص من العائدات والأرباح لخزينة الحزب وشبكاته التنظيمية.

هذه الإمكانات تمنح التنظيم قدرة على المناورة والصمود، لكنها لا تعني بالضرورة قدرته على النجاح في إعادة إنتاج نفسه سياسياً. فالفارق هذه المرة أن الضغوط لم تعد محلية فقط، وأن كلفة الارتباط به باتت أعلى من قدرة كثير من القوى السياسية والاجتماعية على تحملها.