بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر

مقالات مشابهة

ذكرى

“بوجمعة كاراش ودار السينما”.. سينماتيك الجزائر تستعيد سيرة مؤسِّسها

بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر

في أمسية ثقافية مشبعة بالوفاء والذاكرة، احتضنت قاعة سينماتيك الجزائر، السبت 13 يونيو/حزيران 2026، العرض الشرفي للفيلم الوثائقي “بوجمعة كاراش ودار السينما” للمخرج محمد لطرش، في مبادرة تندرج ضمن مسعى تثمين الذاكرة السينمائية الجزائرية وصون رموزها.

لم يكن العرض مجرد موعد سينمائي عابر، بل كان عودة رمزية إلى بيت من بيوت الثقافة الجزائرية، وإلى سيرة رجل ارتبط اسمه بهذا البيت لأكثر من ثلاثة عقود. بوجمعة كاراش، أو Monsieur Cinémathèque Algérienne (السيد سينماتيك الجزائر)، كما كان يحلو لكثيرين وصفه، يمثل ذاكرة موسوعية للسينما الجزائرية والعربية والإفريقية، ووجهاً من الوجوه التي منحت السينماتيك الجزائرية روحها ومكانتها.

بوجمعة كاراش مع المخرج الكبير يوسف شاهين

قاد الراحل بوجمعة كاراش سينماتيك الجزائر طيلة أربعة وثلاثين عاماً، محولاً إياها إلى فضاء للعرض والنقاش والحرية، وإلى منارة يقصدها السينمائيون والباحثون وعشاق الفن السابع. لم تكن السينماتيك في عهده مجرد قاعة أفلام، بل مؤسسة ثقافية تنبض بتاريخ الجزائر، وتحتضن سينما العالم الثالث، من إفريقيا إلى كوبا وأمريكا اللاتينية، في انسجام مع موقع الجزائر، آنذاك، كعاصمة لحركات التحرر ومركز إشعاع ثقافي وسياسي.

مسار استثنائي وتوثيق دقيق

يستعيد فيلم محمد لطرش هذا المسار الاستثنائي بحس توثيقي دقيق، إذ يفتح المجال أمام كاراش ليحكي حكايته مع السينما، من حماسة البدايات إلى سنوات الإرهاب الدامية في التسعينيات، ومن ولادة السينماتيك كابنة لذاكرة حرب التحرير إلى زمن كانت فيه القاعة تعرض ما لا يقل عن خمسة أفلام يومياً، تتبعها نقاشات بحضور مخرجين ومثقفين من مختلف أنحاء العالم.

بوجمعة كاراش مع النجم الجزائري حسن الحسني

تكمن أهمية هذا الوثائقي في أنه لا يكتفي برسم بورتريه مثقف ذي مسار استثنائي، بل يعيد تركيب جزء من تاريخ الثقافة السينمائية في الجزائر. فمن خلال شهادة بوجمعة كاراش، نستمع إلى نصف قرن من الحكايات واللقاءات والذكريات، ونكتشف كيف يمكن لشخصية هادئة، بعيدة عن الأضواء، أن تصير حارسة لذاكرة جماعية بأكملها.

وعقب العرض، دار نقاش ثري مع المخرج محمد لطرش، تناول فيه دوافع إنجاز الفيلم ومراحله الفنية والتوثيقية، مؤكداً أهمية حفظ الذاكرة السينمائية الوطنية وتوثيق مسارات الشخصيات التي أسهمت في بناء المشهد السينمائي الجزائري. وقد بدا واضحاً أن هذا العمل يأتي امتداداً لاهتمام لطرش بالشخصيات المؤسسة في الثقافة السينمائية، بعد تجربته الوثائقية السابقة حول السينمائي الكبير محمد زينات.

إرث الأجيال الجديدة

هذا اللقاء الثقافي أعاد طرح سؤال الذاكرة في زمن تتغير فيه علاقة الجمهور بالصورة والقاعة والمؤسسة الثقافية. فاستحضار سيرة بوجمعة كاراش اليوم ليس حنيناً إلى الماضي فحسب، بل دعوة إلى نقل هذا الإرث إلى الأجيال الجديدة، وإلى الاعتراف برجال ونساء عملوا في صمت من أجل أن تظل السينما فضاء للمعرفة والحوار والتحرر.

بوجمعة كاراش مع النجم المصري نور الشريف والمخرج الجزائري مرزاق علواش

بهذا المعنى، جاء عرض “بوجمعة كاراش ودار السينما” بمثابة تحية وفاء لرجل جعل من سينماتيك الجزائر أكثر من مؤسسة: جعلها بيتاً للسينما، وذاكرة للجزائر، ونافذة مفتوحة على العالم.