عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

مقالات مشابهة

سينما

صاحب “زمن الغجر” يعود إلى السينما بعد طول اعتزال.. أمير كوستوريتسا يصوّر “سيدة من تشوروغ”

عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

بعد صمت طويل، يعود السينمائي البوسني أمير كوستوريتسا، أبرز رواد المدرسة اليوغوسلافية في الفن السابع، إلى مواقع التصوير، حيث شرع قبل أيام في إنجاز فيلم جديد بعنوان “سيدة من تشوروغ”.

في زمن تتسارع فيه الصور وتتراجع فيه الأحلام الكبرى، يبدو خبر عودة المخرج البوسني أمير كوستوريتسا إلى العمل السينمائي حدثاً ثقافياً بارزاً وجديراً بالاهتمام. فالرجل الذي صنع مجده على أنقاض يوغوسلافيا المتفككة، والذي حوّل الفوضى البلقانية إلى ملاحم شعرية مدهشة على الشاشة، يقرر اليوم، بعد سنوات من الاعتزال الطوعي، أن يعود إلى مواقع التصوير حاملاً مشروعاً جديداً يحمل عنوان “سيدة من تشوروغ”.

كوستوريتسا ليس مجرد مخرج سينمائي موهوب ينتمي إلى القلة النادرة من السينمائيين الذين نالوا السعفة الذهبية مرتين في مهرجان “كان”، بل يعدّ أيضاً أحد الرواد العالميين لفن العبث والفكاهة السوداء.  منذ أن أبهر العالم بباكورتهً “هل تتذكر دوللي بيل؟” (1981)، توالت أعماله التي باتت من روائع وكلاسيكيات السينما، من “زمن الغجر” (1988) و”أندرغراوند” (1995) و”قط أسود، قط أبيض”(1998)، وظل اسمه مرتبطاً بسينما تحتفي بالهامش، وتنتصر للجنون الخلاق، وتمنح المقهورين والغرباء مكاناً في قلب الحكاية.

خلال السنوات الأخيرة، بدا وكأن كوستوريتسا اختار أن يبتعد عن ضجيج الصناعة السينمائية العالمية. ولم يقدّم أي فيلم روائي جديد منذ “طريق الحليب” (2027). انشغل بالموسيقى، وبمشاريعه الثقافية الأخرى وفي مقدمتها إدارة مدينته الثقافية الخشبية الشهيرة في موكرا غورا. كما أنه كرّس جزءاً من وقته للكتابة التأملية حول التحولات التي تعصف بالعالم وأوروبا الشرقية على وجه الخصوص. 

لكن المخرج الذي اعتاد أن يحول الذاكرة الجريحة لبلاده  إلى صور تنضح بالشاعرية وحب الحياة، لم يستطع أن يقاوم طويلاً نداء السينما. وها هو يعود لتصوير فيلم جديد. عنوان الفيلم “سيدة من تشوروغ” ينمّ بأن كوستوريستا لم يتخل عن تيمته الأليفة: تشريح ذاكرة منطقة البلقان والانقسامات الدامية التي عصفت بدولها. فقرية تشوروغ الواقعة في منطقة فويفودينا الصربية تحمل في ذاكرتها جراحاً تاريخية معقدة تعود إلى سنوات الحرب العالمية الثانية وما تلاها من توترات قومية وإثنية. ومن يعرف سينما كوستوريتسا يدرك أن التاريخ عنده ليس خلفية للأحداث، بل شخصية أساسية تتحرك بين الأبطال وتصوغ مصائرهم.

العودة إلى الغوص هذه الجغرافيا المشبعة بالذاكرة توحي بأن المخرج البوسني ما زال وفياً لأسئلته القديمة: كيف يواجه الإنسان مصيره في مهب عواصف التاريخ؟ وكيف تؤثّر المأساة الجماعية إلى أقدار الناس؟ وإلى أي مدى يمكن للفن أن ينقذ ما تبقى من إنسانية في عالم يزداد عنفا وقساوة يوما بعد يوما؟