{وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز} (الآية 25 من سورة الحديد)
الحجر كان إمام الفتح في كل ما متّ بصلة لـ «بودرَه»، في صيغتها ككتلة عمياء، ملفقة من ماهيّة فطريّة، جادت بها علينا الطبيعة الأم، في ذلك الزمن الأسطوري الذي ورثناه في مصطلح «الفطحل»، عندما كانت الحجارة مازالت رخوة، أي في المرحلة التي تلت انحسار الغمر عن واقع الأرض، قبيل اغتنامها لهوية اليابسة، كما يرد في أسفار العهد القديم؛ أي قبل أن يتحجّر الحجر، ليستعير نزعة التحدّي، الذي أهّله لأن يتبؤأ منزلة سلطة، في واقع هشّ، مهدّد بمشيئة حضورٍ، مزاج الطبيعة فيه يلعب دور البعبع، المستخدم كملاذٍ في حفنة وظائف، تبدأ بسلاح للدفاع عن النفس، في تجربة إنسان حديث العهد بالكينونة، وتنتهي بالكتلة المسخّرة لتشييد كيان بيت يُجير من عداء المناخ، أو بطش الوحوش، في المرحلة السابقة على اكتشاف المعادن وتسويتها في صيغة «بودره» أي كتلة،
أوّل حرف في أبجدية مواهب هذا التكتّل، هو قدرته على أن يجرح، أن يقتل، أن يحتلّ فضاءً، أن يسطو على مساحة، هي نصيب من واقع مكاني، أي إجمالاً قدرته على أن يسود، وأن يسود يعني أن يحقق على الأرض سلطةً، لا تلبث أن تتبوّأ منزلة سلطانٍ. سلطان يتمدّد، بل يتمادَى، عندما يتعلق الأمر بطينة المعادن إجمالاً، المعادن في صيغتها النفيسة تحديداً؛ لأن القيمة فيها تضاعف فيها السلطة المستعملة في البطش بتحديات الواقع الحرفى في يابسة بدأت تتحوّل خشبةً لمسرح مثير للفضول هو الكون، وها هي تفلح في استدراج الأخيار للتجديف في حق الناموس العام، لتدوس على شرائع العقد الاجتماعي، لتشتري الذمم، بفضل الإغواء الآثم، الكامن في حرف المعادن الثمينة، ككتلة استوت سلطةً في صيغة عملة في أفران كهنة النفع، الحدّادين، الذين أفلحوا في ترويض الروح، بحشرها في قمقم الفائدة، بعد نجاحهم في تقسيم العمل البشري للمرة الثالثة، بعد شقّ النشاط البدئيّ إلى نصفين هما الرعي والزراعة، ليتوَّج منذ الآن في حرفة صنيع ثالث، يتولى أمره سحَرة الكتلة، المترجمة في حرف الحديد، ليبدأ فجر يوم جديد، في تاريخ «بودره»، هو نواة لاكتساب سلطة على واقع عالم جديد، لينال هؤلاء الأبالسة السلطان، لا على أرواح الإنس فقط، ولكن لينالوا السلطان على دنيا الجنّ أيضاً. وعلّ الخشية الغيبية التي عامل بها إنسان التكوين ملّة الحدّادين، ما هي إلّا نتيجةً للموقف من موهبة تطويع هذا المعدن الآثم، كي يستوي في كتلة «بودره»، قادرة على قهر الإنسان كلّه، وتسييسه، لكي يخضع لإبليس الحرف الذي لم يخطئ القدّيس عندما وصفه بـ «المميت»، ليسدّد أول طعنة في حقّ الروح، التي لم يخطئ القدّيس أيضاً، عندما توّجها بوسام أنها وحدها تُحيي!
المفردة الأمازيغية «بودره» استعارت منها اللغات ذات السلالة اليونانية أو اللاتينية ثروتها، لترثها اللغات الأوروبية، الدالة في الأصل البدئيّ على مفهوم الكتلة حرفيّاً، لم تبخل بالعمق الوجودي، الذي سينصّبها إماماً في معجم المفاهيم، فيما لو تأمّلناها في حقل النشاط الإنساني الحضري، لتتحوّل الأبجديّة التجريبية منارةً في معنى «الإئتلاف»، بما هي إلتحام حفنة عناصر تتآلف في لحمة حميمية، لتشكّل كياناً لهيكل سياسي كسلطة حزبية، كاحتيال ماكر للسطو على منزلة سياسية بالإقتراع، بانضمام فئة إلى لحمة فئة أخرى لكسب الإنتخاب، باستثمار مفهوم «التكتّل» الإنتخابي الشائع في دنيا الحداثة، لأن ما هي «الكتلة» إن لم تكن تلك القوّة الغاشمة، التي تتحالف وراء حجاب، لتستولي على واقع مّا، سياسي، أو اجتماعي، أو ديني، مستخدمةً الإلتحام كعمل مشروع قانوناً، ولكنه لئيم أخلاقياً بما هو استغلال لعناصر مفكّكة بطبيعتها كأرومة، لأنها مجرّد شتات التأمَ في سبيكة هي جرم مفتت، ولكنه يستعير بطشاً في القيمة بفضيلة التكاثف، أو الإئتلاف، أو الإلتئام، أو الإلتحام، أو التحالف، إلى آخر هذه القائمة من المترادفات، ليتبرّأ من إسم التزوير بوصفه مكيدة مدبّرة للإستيلاء على سلطة واقع، إنكاراً للدّسيسة التي لفّقت عديد العناصر المشتّتة في الأصل، واستثمارها في عملية دمج، لتكتسب هوية «كتلة»، تحاجج بالحجم تارةً، وبالوزن تارةً أخرى، لتكسب الرهان في حمّى منافسة حامية في مجتمع يدين هو نفسه لأفضال هذه «الكتلة» نفسها، في تحقيق مكانته كسلطة واقع، إذا اعترفنا بأنه مجرّد مجموع أفراد، تآلفوا في «كتلة» يوماً، ليكوّنوا جماعةً، تنامت مع الأيام لتستوي في مفهوم «مجتمع».
لقد سمحنا لأنفسنا بانتداب كلمة «كتلة» عفويّاً، للتعبير عن حقيقة المادّة الهوجاء، العجماء، الغاشمة، المجهولة الهوية، التي تهوي على الواقع البِكر كقنبلة أسطورية، لتكتم أنفاس هذا الواقع البرّي، البريء قبل أن نخضعها للفحص، أو نستقصي طينتها بفنون التشريح، لنكتشف أنها ملفّقة من عناصر طبيعية، يلعب فيها عنصر الذرّة دور البطولة، سيّما عندما تتعرض هذه الكتلة في صيغتها كصلد، أو صخر، للإنحلال، فتتفتّت في غبار، علامة قابيل فيه هي الذرّة، بوصفها هي النواة، في ملحمة «بودره» الثرية، أي تلك النفحة العدميّة المجسّدة في حرف هباء مشبوه، في سجيّته الطبيعية، ولكنه معبودٌ في أيّة حملة قياميّة، كما الحال مع هذه الجزيئة الغيبية، الناطقة باسم العدم، وهي: «الذرّة»، ذلك أن كل كتلة همجيّة، تكتم أنفاس الأرض، هي، في الواقع منحة مستعارة من الذرّة، لأنها وحدها الوصيّ المقيم في البرزخ بين الوجود والعدم، ومن حقّها وحدها أن تفتي بحقيقة الحقيقة في واقع الطبيعة، لقدرتها على ارتياد ساحة القطبين الغيبيَّين: الأرضي والسماوي، دون أن تخسر ماهيّتها في هذه المغامرة، ممّا سيعني أن المادّة التي لا تستطيع أن تراهن على وجودٍ في الوجود، هي وحدها، المخوّلة بالنطق بالشهادة، عندما يتعلق الأمر بالحقيقة، في حقّ هذا الوجود ،عندما تتشكّل، لتخطّ في مخطط الوَجد كلمتها السحرية، فتختطّ إسم «الكتلة» كحجم مصغّر لأمرٍ جلَل هو: الكينونة، لأن ما هي هذه الذرّات الهائمة في الفراغ، إن لم تكن خليفةً منتدباً من جلالة العدم، ليلعب دور الأفراد في واقع مجتمعٍ هو كتلة تهيمن على خشبة مسرح هو الوطن، الذي يستودع ذخيرة أجنّة، مجسّدة في بصمة غيبية، لم يجد لها المنطق تعبيراً أنسب من الـ«كتلة»، كي يحرّرها من براثن كابوس، مسربل بروح ورم، هو: العدم؟
فاللسان العبقري الأمازيغي، الصحراوي، البدئي، الذي ألهَمَ الوجدان الأوّلي، والأولويّ، إنتاج المفاهيم المجردة، روحيةً، ودينية، وفلسفية، من واقع التجربة الحرفية، بل الحسيّة، ليفيض بفتوحاته التنويرية، أو التبشيرية، على سائر اللغات بحوض المتوسط، لم يعجزه هنا أيضاً أن يجود في ملفوظة بريئة مثل «يَبّوْدرَه» أو «بودره»، الدالّة على الكتلة، في بُعدها المتحجّر، على اليونانية، ثم اللاتينيه لتتبنّاها الإيطالية والفرنسية والإسبانية في مفردة Piedra، للتدليل على هذا الجسم المدهش في قدرته على التحدي في صموده البطولي، الملفّق في هيكل متكتّل، يؤهّله لأن يحتلّ منزلة صدّ أيّة قوّة عند المواجهة، فلم تكتفِ الإسبانية بانتدابه للتعبير عن ظاهرة طبيعية كالحجر، أو الصخر، ولكنها استعارته للتعبير عن ماهيّة أعظم شأناً، روحيّة هذه المرة، وهي فعل يستطيع في poder، الذي لا يكتفي برسالته كترجمان لمعنى الاستطاعة، ولكنه يأبى إلّا أن يكون تعبيراً عن السلطة، بوصفها الحدّ الأقصى لسيرورة القدرة!
القدرة؟
هذا الإسم الحرفي لحلم مقدّس في كل الثقافات وهو: الإرادة!
إرادة أن تكون حرّاً، وأن تكون حرّاً يعني أن تكون سعيداً، لأنّ أن نحقق السعادة يعني أن نقهر الوزر، في يبّودره، في الجلمود الحجري، الذي يلوّح بقفّاز التحدّي في وجه كل مريد حقيقة، كل مريد حرية، كل مريد تنوير.
وهو ما يعني أن يبودره، الكتلة الحجرية الخرساء، الهمجية، المعادية، هي التحدّي الصخري، الصنم الجنوني، الذي يجب أن نحطّمه، بوصفه السلطة التي يجب أن نقهرها، لكي نحقّق سلطتنا نحن، على أنفسنا، لنصنع بذلك سعادتنا، لنستعيد فردوسنا!
إنها ذخائر اللغة التي تتكلّمنا، فتشفينا، لا اللغة التي نتكلّمها، فتشقينا!
















