حين أخرجت آسيا جبار فيلمها “نوبة نساء جبل شنوة” سنة 1979، لم تكن تضيف اسماً نسائياً جديداً إلى قائمة المخرجين الجزائريين فحسب، بل كانت تؤسس لتحول عميق في علاقة المرأة الجزائرية بالصورة السينمائية. فمنذ الاستقلال، حضرت المرأة بقوة في السينما الوطنية، لكنها كانت غالباً موضوعاً للرواية لا راويتها، ورمزاً وطنياً أكثر منها فرداً يمتلك صوته الخاص.
غير أن العقود اللاحقة ستشهد انتقالاً تدريجياً من المرأة التي تُصوَّر إلى المرأة التي تُصوِّر، ومن المرأة التي يُكتب عنها إلى المرأة التي تكتب صورتها بنفسها.
عندما كانت المرأة استعارة للوطن
في سنوات ما بعد الاستقلال، انشغلت السينما الجزائرية ببناء الذاكرة الوطنية وتثبيت سردية الثورة. داخل هذا المشروع الكبير ظهرت المرأة باعتبارها رمزاً للنضال والتحرير والتضحية. كانت المجاهدة والأم والصابرة، لكنها نادراً ما كانت شخصية مستقلة بأسئلتها الفردية وهواجسها الخاصة. لم يكن ذلك غريباً في سياق كانت فيه الأولوية لبناء هوية وطنية جامعة.
غير أن هذه الصورة، رغم قيمتها التاريخية، وضعت المرأة داخل إطار رمزي واسع جعلها تمثل الوطن أكثر مما تمثل نفسها. نجدها بهذا الشكل والاعتبار في “ريح الأوراس” للمخرج محمد الأخضر حامينا (1966)، و”الأفيون والعصا” لأحمد راشدي (1970)، و”دورية نحو الشرق” لعمار العسكري (1972)، و”وقائع سنوات الجمر” لحامينا (1974).
حين بدأت المرأة تتكلم بصوتها
مع بروز أسماء نسائية في الإخراج والكتابة السينمائية، بدأت الكاميرا تنظر إلى المجتمع من زاوية مختلفة. لم تعد المرأة موضوع للتضحية الوطنية فحسب، بل أصبحت مدخلاً لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفتها الجزائر.
هنا برزت أعمال حاولت الاقتراب من الحياة اليومية ومن التفاصيل الصغيرة التي غالباً ما تجاهلتها السينما المؤدلجة. ظهرت هذه التفاصيل في أول فيلم نسوي جزائري “نوبة نساء جبل شنوة” للروائية والمخرجة آسيا جبار (1979)، متبوعاً بفيلم “الزردة” (1980)، ثم لاحقاً في فيلم “الباب” للمخرجة ياسمين شويخ (2008).
وشكلت تجربة المخرجة والأكاديمية نادية شرابي لعبيدي، نموذجاً لافتاً في هذا الاتجاه، خصوصاً من خلال فيلمها “ما وراء المرآة” (2007) الذي اختار الاقتراب من قضايا اجتماعية حساسة (الأم العازبة) بعيداً عن الخطاب السياسي المباشر أو الشعارات النسوية الصاخبة، مع التركيز على الإنسان الفرد في مواجهة أحكام المجتمع ونظرته القاسية.
العشرية السوداء: اللحظة التي كسرت فيها المرأة جدار الصمت
إذا كان للسينما النسوية الجزائرية تاريخ ميلاد حقيقي، فإن الكثيرين يجدونه في سنوات العنف التي عاشتها الجزائر خلال التسعينيات. لقد دفعت المأساة الوطنية عدداً من المخرجات إلى الاقتراب من مناطق ظلت محرمة أو مسكوتاً عنها لسنوات طويلة.
فجأة أصبحت شاشة السينما تتحدث عن الاغتصاب، والخوف، والاختطاف، والعنف الممارس باسم الدين، والمرأة التي وجدت نفسها بين مطرقة الإرهاب وسندان المجتمع. في هذا السياق ظهر فيلم “الشيطانة” لحفصة زينات قوديل (1993) كواحد من أكثر الأعمال جرأة في مواجهة التطرف والعنف ضد النساء، بينما تحوّل فيلم “رشيدة” ليمينة بشير شويخ (2002) إلى صرخة سينمائية مدوية ضد الإرهاب وضد الصمت الذي أحاط معاناة النساء خلال تلك الفترة.
لم تعد المرأة هنا مجرد ضحية للعنف المسلح، بل أصبحت شاهدة على مرحلة كاملة من تاريخ الجزائر الحديث. كانت الكاميرا النسائية، في أفلام أخرى مثل “بركات” للمخرجة جميلة صحراوي (2006)، و”مَالْ وَطْنِي” للكاتبة والمخرجة فاطمة بلحاج (2007)، و”كرة الصوف” للمخرجة فاطمة زعموم (2005)، هي الأقدر على التقاط تفاصيل الألم التي لم تكن تظهر في الخطابات السياسية والإعلامية التقليدية.
من مقاومة الإرهاب إلى مساءلة المجتمع
غير أن السينما النسوية الجزائرية لم تتوقف عند حدود مواجهة الإرهاب. فبعد انحسار سنوات العنف، بدأت تطرح أسئلة أكثر تعقيداً تتعلق بالمجتمع نفسه. تحولت الأنظار نحو قضايا الأمهات العازبات، والعلاقات الأسرية، وقانون الأسرة، والحرية الفردية، والصراع بين التقاليد والرغبة في تحقيق الذات. لم يعد الخصم دائماً جماعة متشددة أو إرهابياً يحمل السلاح، بل أصبح أحياناً مجموعة من الأعراف الراسخة والأحكام الاجتماعية التي تقيّد النساء داخل فضاءات الحياة اليومية.
هنا ظهرت أفلام تحمل “جرعة زائدة” من الجرأة مثل “فلفل أسود” لسعدية قاسم (2009)، و”في مثل سني ما زلت أختبئ لأدخّن” للمخرجة والناشطة الحقوقيّة والنَسَوية الجزائريّة ريحانة (2016)، أثارت نقاشات واسعة حول حدود الحرية الفردية وتمثيل المرأة الجزائرية في السينما.
بين حرية التعبير وإشكالية الصورة
لم يمنع نجاح السينما النسوية الجزائرية ظهور أسئلة نقدية مشروعة. فمع توسع الإنتاجات المشتركة الجزائرية-الأجنبية، خصوصاً مع فرنسا، برز جدل حول طبيعة الصورة التي تُقدَّم عن الجزائر في بعض الأعمال. لقد أثارت أفلام مثل “بركات” أو “بابيشا” نقاشات حادة بين من رأى فيها أعمالاً شجاعة تكسر الصمت حول قضايا حساسة، ومن اعتبر أنها تقدم صورة أحادية تختزل المجتمع الجزائري في العنف والقمع والصراعات.
ربما لا تكمن أهمية هذا الجدل في تحديد من هو على حق، بل في كونه يكشف أن السينما النسوية الجزائرية لم تعد مجرد ظاهرة فنية، بل أصبحت فاعلاً ثقافياً مؤثراً يشارك في إنتاج الذاكرة الجماعية وصياغة صورة المجتمع عن نفسه.
ما بعد صورة الضحية
رغم كل ما حققته المخرجات الجزائريات من حضور وتأثير، يبقى السؤال مطروحاً: هل نجحت السينما النسوية في تجاوز صورة المرأة الضحية؟ فالكثير من الأعمال المهمة دارت حول الاغتصاب والعنف والتهميش والقهر. وهي مواضيع ضرورية ومشروعة، لكنها قد تتحول مع الزمن إلى إطار ضيق يحاصر المرأة داخل صورة واحدة.
لعل التحدي الحقيقي أمام الجيل الجديد من المخرجات لا يتمثل في الدفاع عن المرأة فحسب، بل في تقديمها بكل تناقضاتها وتعقيداتها وأحلامها وانتصاراتها أيضاً. فبين المجاهدة والضحية والمتمردة والعاشقة والمبدعة، توجد نساء كثيرات لم تكتمل حكاياتهن بعد على الشاشة الجزائرية.
هل تكفي المرأة خلف الكاميرا لصناعة سينما نَسَوية؟
ثمة سؤال آخر لا يقل أهمية عن الأسئلة المتعلقة بتمثيل المرأة وصورتها على الشاشة: هل توجد فعلاً سينما نَسَوية جزائرية، أم أننا أمام سينما تصنعها نساء فحسب؟ قد يبدو الفرق شكلياً، لكنه في الواقع جوهري. فالسينما النسوية، كما تبلورت في الأدبيات النقدية العالمية، لا تُعرَّف بجنس المخرج أو الكاتبة، بل بالطريقة التي تعيد بها مساءلة علاقات السلطة والهيمنة والتمثيل. فليس كل فيلم أخرجته امرأة فيلماً نسوياً بالضرورة، تماماً كما أن بعض الأفلام التي أخرجها رجال قدمت أحياناً شخصيات نسائية أكثر تعقيداً وثراء من أعمال وقّعتها نساء.
في الريبرتوار السينمائي الجزائري مثلاً، أفلام أخرجها رجال كانت (نَسَوية بامتياز)، قد نذكر على سبيل المثال لا الحصر، “الليل يخاف من الشمس” لمصطفى بديع (1965)، و”الفحّام ” لمحمد بوعماري” (1972) و”ريح الجنوب” لمحمد سليمان رياض (1975)، و”ليلى والآخرون” لسيد علي مازيف (1978)، و”نهلة” لفاروق بولوفة (1979)، و”راضية” لمحمد لمين مرباح (1992) وغيرها كثير.
من هنا يبرز سؤال آخر أكثر تعقيداً: هل أنتجت السينما النسوية الجزائرية لغة سينمائية مختلفة، أم أنها اكتفت بإحلال المرأة محل الرجل داخل البنية السردية التقليدية نفسها؟ يصعب تقديم إجابة حاسمة. فالكثير من الأفلام الجزائرية التي تناولت قضايا النساء تميزت بجرأتها الموضوعاتية أكثر مما تميزت بثورتها الجمالية. لقد غيرت زاوية النظر إلى الواقع، لكنها لم تُحدث دائماً قطيعة واضحة مع الأدوات السردية والبصرية الموروثة من السينما التقليدية. ولذلك قد يكون الإنجاز الأبرز لهذه التجربة حتى الآن هو إعادة تعريف من يروي الحكاية أكثر من إعادة تعريف كيفية روايتها.
من هامش الصورة إلى مركز الحكاية
ربما يكون الإنجاز الأكبر للسينما النَسَوية الجزائرية أنها نجحت في نقل المرأة من هامش الصورة إلى مركز الحكاية، ومن موقع الممثَّل إلى موقع الممثِّل. غير أن هذا التحول، على أهميته، لا يضع نهاية للأسئلة بقدر ما يفتح أسئلة جديدة. فما زال النقاش قائماً حول طبيعة هذه السينما وحدودها، وحول ما إذا كانت قد نجحت في بناء رؤية جمالية مغايرة، أم أنها اكتفت بإعادة ترتيب الأدوار داخل الأطر السردية الموروثة.
بين هذين الاحتمالين تواصل المخرجات الجزائريات كتابة فصل استثنائي من تاريخ السينما الوطنية؛ فصل لا تكمن أهميته في الأجوبة التي يقدمها، بقدر ما تكمن في الأسئلة التي يصر على طرحها.















