منذ سنوات طويلة لم يحظ فيلم هوليوودي بهذا القدر من الترقب قبل عرضه. فالأمر لا يتعلق هذه المرة بجزء جديد من سلسلة تجارية ناجحة، ولا بفيلم أبطال خارقين مدجج بالمؤثرات، بل بمغامرة سينمائية تحمل عنواناً يعود بنا إلى أكثر من ألفي عام: “الأوديسة”.
اختار كريستوفر نولان، بعد رحلته الشاقة مع “أوبنهايمر”، أن يعود إلى أحد النصوص المؤسسة للمخيال الإنساني. الملحمة التي صاغها هوميروس لم تكن حكاية بحّار تائه يبحث عن طريق العودة إلى وطنه فحسب، بل كانت منذ نشأتها استعارة كبرى عن الإنسان في مواجهة المجهول، وعن الرحلة باعتبارها اختباراً للهوية والذاكرة والرغبة في النجاة.
الخوارزميات في زمن الترفيه
في زمن تهيمن فيه الخوارزميات على صناعة الترفيه، يبدو اختيار “الأوديسة” فعلاً ثقافياً بقدر ما هو قرار سينمائي. المخرج الذي اعتاد استكشاف الزمن والذاكرة والوعي الإنساني، من “مومنتو” إلى “إنترستيلار” و”تينيت”، يجد نفسه اليوم أمام النص الذي يمكن اعتباره الأصل البعيد لكل تلك الأسئلة. أوديسيوس نفسه ليس بطلاً بالمعنى التقليدي؛ إنه رجل يعود من الحرب مثقلاً بالهزائم والانتصارات معاً، ويكتشف أن الطريق إلى الوطن أكثر تعقيداً من الطريق إلى المعركة.
لا يخفي المشروع طموحه الملحمي. طاقم التمثيل يضم نخبة بارزة من نجوم هوليوود (مات ديمون، شارليز ثيرون، توم هولند، آن هاتاواي)، والتصوير تم وفق أحدث تقنيات IMAX، بينما تتحدث التسريبات الشحيحة من كواليس الفيلم عن ميزانية ضخمة وإنتاج عابر للقارات. غير أن ما يجعل الفيلم حدثاً استثنائياً ليس حجمه الإنتاجي فقط، بل الرهان الكامن خلفه: هل تستطيع السينما المعاصرة أن تعيد إحياء الأساطير الكبرى دون أن تفقدها عمقها الإنساني؟
اعتادت هوليوود العودة إلى الميثولوجيا الإغريقية، لكن معظم تلك المحاولات كانت تنظر إلى الأسطورة بوصفها مادة للاستعراض البصري. أما نولان، فيبدو معنياً بشيء آخر: بالرحلة الداخلية أكثر من المعارك، وبالأسئلة الوجودية أكثر من الوحوش البحرية. ولذلك يتوقع كثيرون أن يكون “الأوديسة” أقرب إلى تأمل سينمائي في معنى العودة والزمن والحنين، منه إلى فيلم مغامرات تقليدي.
“الأوديسة”: مفارقة لافتة
ثمة مفارقة لافتة في هذا المشروع. فبينما تتسارع الصورة المعاصرة نحو الاستهلاك الفوري والمحتوى القصير، يعود أحد أبرز مخرجي عصرنا إلى نص شعري عمره قرون طويلة، ليذكّرنا بأن الحكايات العظيمة لا تشيخ. “الأوديسة”، في جوهرها، ليست قصة يونانية قديمة، بل قصة الإنسان نفسه: ذلك الكائن الذي يقضي حياته كلها وهو يبحث عن وطن، سواء كان جزيرة في بحر إيجه أو معنى يمنح رحلة الحياة ذاتها معنى وجدوى.
لهذا السبب لا يُنتظر فيلم “الأوديسة” بوصفه مجرد إصدار صيفي جديد، بل باعتباره حدثاً ثقافياً قد يعيد طرح سؤال قديم بصيغة معاصرة: ما الذي يبقى من الأساطير حين تنتقل من القصيدة إلى الشاشة؟ وما الذي تكشفه لنا السينما اليوم عن أنفسنا عندما تسلّط الكاميرا على مرآة الماضي السحيق؟
قد لا نعرف الإجابة قبل أن تنطفئ أضواء القاعة وتبدأ رحلة عرض الفيلم مطلع يوليو المقبل. لكن المؤكد أن صيف هذا العام سيكون موعداً مع هذا الفيلم الذي سيكون إحدى أكثر المغامرات السينمائية إثارة للفضول والترقب.















