تونس - نور الدين بالطيب
تونس - نور الدين بالطيب

مقالات مشابهة

حوار

عبد المجيد الشرفي: التحديث العربي بقي مبتوراً والإسلام السياسي ازدهر في فراغ الإصلاح السياسي

تونس - نور الدين بالطيب
تونس - نور الدين بالطيب

أكثر من خمسين عاماً قضاها الدكتور عبد المجيد الشرفي في التدريس وتأطير طلبة الدكتوراه في اختصاص الحضارة العربية الإسلامية حتى أصبح هناك من يتحدث عن “مدرسة تونسية” يقودها الشرفي وطلبته. “لبنات” و”البداهات الزائفة في الفكر الإسلامي” و”الإسلام بين الرسالة والتاريخ” و”مرجعيات الإسلام السياسي” و”تحديث الفكر الإسلامي” وغيرها، وضعته واحداً من أبرز المفكرين العرب الذين اهتموا بتحديث قراءات النص الديني، كما ساهم في مبادرات عدة لإحياء الفكر العقلاني في مواجهة موجات التطرف الديني.

في هذا الحوار الخاص لـ “غلوبال ووتش عربية”، يتحدث الشرفي عن فشل التحديث الذي اعتبره مبتوراً وعن التعليم والاستشراق وغياب قادة الرأي اليوم.

– صدر أخيراً كتاب ضخم بعنوان “في رهانات التحديث: أعمال مهداة إلى الدكتور عبد المجيد الشرفي”، وأغلب المساهمين فيه من طلبتك. كيف ينظر اليوم عبد المجيد الشرفي إلى هذه الرحلة الطويلة في التدريس والتأليف؟

عبد المجيد الشرفي: من الصعب أن يقيّم الإنسان، خاصة إذا كان باحثاً ومعنياً بالشأن الثقافي والفكري، أعماله أو مسيرته بنفسه. أمّا بالنسبة إليّ، ومن دون تواضع كاذب، فأعتبر أنّني كنت أستاذاً باحثاً، وأنّني قمت بما ينبغي أن يقوم به أي أستاذ باحث؛ أي ألّا يكرّر المعارف السابقة، بل أن يبحث عن الإضافة وعن معارف جديدة. والميدان الذي اخترته، وهو تاريخ الفكر الإسلامي والحضارة العربية الإسلامية، ميدان أكاد أقول إن أسلافي في الجامعة التونسية لم يهتموا به، من جهة البعد الديني، اهتماماً كافياً.

كان الرأي الشائع في ستينيات القرن الماضي، زمن بدايات الجامعة التونسية، أنّ الدراسات الدينية من اختصاص جامعة الزيتونة، ولا شأن لنا بها. موقفي أنا كان على العكس من ذلك؛ فالدراسات الدينية جزء من العلوم الإنسانية، لذلك ينبغي أن تهتم كليات الآداب بهذا الجانب الحضاري، لا في الحضارة العربية الإسلامية فقط، بل في أي حضارة.

لقد أدخلت الاهتمامات الدينية في برامج الحضارة، وكان ذلك نوعاً من الرهان، لأن المعارضة من الزملاء في جامعة الزيتونة، أي كلية الشريعة وأصول الدين سابقاً، كانت شديدة، لأنهم تعوّدوا أن يستأثروا بالخطاب الديني. وفي ما يخصّني، اعتبرت أن الدين ملك لكل الباحثين، سواء كانوا من أصحاب الثقافة التقليدية أم من أصحاب الثقافة العصرية.

هكذا يمكن أن ألخّص مسيرتي. صحيح أن كثيراً من الباحثين اعتبروا أنني كوّنت مدرسة، لكن، للتاريخ والحقيقة، لم يكن هذا هدفي، بل جاءت النتائج بصفة طبيعية؛ إذ إن العديد من الباحثين الشباب تأثروا وقتها بهذا المسلك، وتابعوني، وتبنّوا منهج النقد التاريخي. وهذا المنهج أعتبره ضرورياً، لا في ظرف تاريخي معين فقط، بل بصفة عامة، لأن الثقافة الحية هي التي تنقد التراث والواقع بحثاً عمّا هو أفضل، وعمّا يستجيب لمقتضيات العصر، وعن فهم أفضل للماضي والحاضر.

– معظم طلبتك السابقين، الذين أشرفت على أطروحاتهم أو أشرف عليها مَن درّستهم أيضاً، أصبحوا أسماء لامعة ليس في تونس فقط، بل حتى في العالم العربي وأوروبا. مع ذلك، ما زالت الدراسات الحضارية في كليات الآداب لم تستقل بذاتها. لماذا؟

– أفسّر ذلك بأن تنظيم الجامعة التونسية كان على المنوال الفرنسي، والأخير إلى اليوم، في كليات الآداب وفي أي لغة، يضمّ أقساماً فرعية عدة: اللغة ذاتها، وآدابها، وحضارتها. لذلك تُعدّ الحضارة جزءاً من العربية أو الفرنسية أو الإنجليزية. ولهذا يمكن أن يستقل قسم الحضارة في وقت من الأوقات، لكن ليس هذا هو الأهم، لأن دراسة أي حضارة لا بدّ أن تنفتح على الحضارات الأخرى.

لذلك، لو سمّيته مثلاً قسم الحضارة العربية الإسلامية، فلا بدّ أن يكون ثمة ارتباط بخصائص الحضارة الحديثة والحضارات الأخرى التي وجدت في التاريخ، لأن هناك دائماً تفاعلاً بين الحضارات.

رأيي، وربما لا يشاطرني فيه كثير من الزملاء، يتمثل في اعتبار الحضارة العربية الإسلامية حضارة تاريخية. وهي حضارة، في رأيي، انتهت، لكن الثقافة العربية الإسلامية مستمرة، في حين عوّضت الحضارة الحديثة الحضارة العربية الإسلامية؛ أخذت منها ما أخذت وزادت عليها، مثلما أن الحضارة العربية الإسلامية جاءت بعد الحضارتين اليونانية والفرعونية، بغض النظر عن الحضارات البعيدة مثل الحضارة الصينية.

الحضارات لها عمر كالدول والإنسان. والحضارة العربية الإسلامية، تاريخياً، أنجزت مكاسب رائعة للإنسانية عموماً، لكنها اليوم حضارة تاريخية، ولا يمكن أن نتحدث عن الحضارة العربية الإسلامية اليوم والحضارة الحديثة هي التي أخذت من كل الحضارات السابقة، وبالخصوص الحضارة العربية الإسلامية.

إن المطلع على الأدبيات الغربية يلاحظ أن هناك نزعة، متأتية من تأثير التفوق الأوروبي في القرنين الماضيين، تمرّ مرور الكرام على فترة الحضارة العربية الإسلامية؛ إذ يتحدثون عن الحضارتين اليونانية والرومانية وصولاً إلى الحضارة الحديثة، مع إغفال الحضارة العربية الإسلامية. واليوم، هناك عودة واهتمام بهذا الإنجاز الحضاري الذي له جذور وامتدادات في التاريخ. فلا يمكن أن ننكر فضل الحضارة العربية الإسلامية، والباحثون الجادون يعتبرون أن هناك ضرورة لدراستها.

– بعد ما عُرف بـ “الثورة” في تونس، صعدت الحركات الدينية: حركة النهضة، حزب التحرير، السلفيون… ورفعوا شعارات معادية لمكاسب التحديث التي أسّس لها زعماء الاستقلال، خاصة في التعليم والحريات وحقوق المرأة ومدنية الدولة. هل حدث هذا لأن مشروع التحديث كان هشاً منذ البداية؟ وبماذا تفسّر صعود الحركات الدينية والسلفية في الوطن العربي؟ هل بسبب فشل الدولة الوطنية؟

– كتبت حول هذا الموضوع أكثر من مرة، وأعتقد أن السبب الرئيسي لهذه الظاهرة هو أن هذا التحديث كان مبتوراً؛ لم يشمل كل الأصناف الاجتماعية، بل كانت هناك فئات اجتماعية، خاصة في الريف والمناطق الداخلية، لم يشملها هذا التحديث. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، لم يشمل التحديث الميدان السياسي. شمل الاقتصاد والثقافة والمجتمع، لكنه لم يشمل السياسة.

ممارسة الحكم منذ الاستقلال لم تكن ممارسة حديثة، بينما جرى تحديث الاقتصاد الذي تخلّص من الموروث التقليدي. وحين تمر اليوم في أي جهة من جهات الجمهورية، تلاحظ وجود الجرارات والآليات الميكانيكية، في حين كان الاقتصاد يعتمد العربات والحمير والإبل. تمّ تحديث الصناعة والاقتصاد والتجارة، ولم يعد الاقتصاد كما كان عليه قبل الاستقلال. كذلك وضع المرأة وتحديث المجتمع.

هذا من شأنه أن يخلق ردود فعل رافضة للتحديث. فلو كان شاملاً للسياسة أيضاً، لكان من الطبيعي أن يفرز تيارات معارضة، لأن التحديث تغيير مستمر، وبالتالي المعارضة طبيعية، بما فيها المعارضة الماضوية.

أعتقد في هذا السياق أن الإسلام السياسي ردّ فعل على هذا التحديث المبتور، ويعكس نوعاً من الرفض للجوانب المعنوية في التحديث، لا الجانب المادي. زعماء الإسلام السياسي ودعاته لا يمكن أن ينكروا التحديث المادي، لكنهم يرفضون التحديث الفكري الكامن وراء التحديث المادي.

– كتبت حول الإسلام السياسي. هل ترى أنه بعد تجربته في الحكم وما خلّفته من أزمات في تونس ومصر وليبيا، قد انتهى؟

– أعتقد أن الإسلام السياسي لن يموت، لكنه فقد، في ما أرى، المكانة المركزية التي كانت له، وسيبقى هامشاً من الهوامش. لذلك لم يعد يمثل خطراً على مجتمعاتنا ما دام لا يحتل المركز. أما تصور زوال الإسلام السياسي، فهذا وهم، وكذلك التعبيرات الفوضوية وكل التعبيرات الهامشية. لكن لا ينبغي التعامل مع هذه التعبيرات بالإقصاء أو التعسف.

أرى أن مستقبل الإسلام السياسي مرتبط بالتحولات العالمية. لذا يجب أن نتذكر دائماً أن الغرب شجّع الإسلام السياسي لأسباب تغيب، لسوء الحظ، عن الإسلامويين. وهناك كتابات في هذا الشأن، ولا أدّعي أنني صاحبها.

تحليل الاستراتيجية الغربية يقتضي أنه لا بد من تشجيع الإسلام السياسي، لأنه الكفيل بعدم ارتقاء البلاد الإسلامية إلى مرتبة يمكن أن تزاحم الغرب. واختزال الإسلام في اللحى والجلباب والخمار يلهي المسلمين عن المسائل الجوهرية في الاقتصاد والثقافة والسياسة. ثم إنهم في خدمة المشروع الاستعماري دون قصد منهم، وأنا أعتقد أن الإسلاميين ضحايا من هذه الناحية.

استراتيجية الغرب، وخاصة الغرب اليميني والرأسمالي، تترجم في أن الإسلام هو الكفيل بتثبيت الكيان الصهيوني في المنطقة العربية. فعندما تكون إسرائيل وحدها في المنطقة قائمة على الدين، تكون نشازاً، أما عندما تكون الدويلات المحيطة بها ضعيفة وقائمة على تمييز ديني، تصبح هي القاعدة، ويتم القبول بهذا الكيان الهجين الذي فرض على المنطقة. وهذا بُعد أعتقد أن الإسلاميين لم ينتبهوا له.

– في مسيرتك الأكاديمية الطويلة، شاركت في لجان إصلاح التعليم بمختلف مستوياته. اليوم نعاين نتائج «الحداثة المبتورة»، بحسب مصطلحك. أليس من بين أسبابها فشل إصلاح التعليم؟

– نشرت في المدة الأخيرة كتيباً صغيراً بعنوان “خواطر في بناء مستقبل تونس”، بدأته بفصل عن التعليم، لأن التعليم هو الأساس قبل أي شيء آخر. والاهتمام بالتعليم يجب أن ينطلق من تكوين الإطار التربوي.

أتذكر في تسعينيات القرن الماضي إحدى قريباتي، وكانت تلميذة في التعليم الثانوي، إذ أخبرتني أن أستاذ التربية الدينية كان يقول لهم: هذا ما يقوله البرنامج، لكن الله يقول كذا وكذا. يعني أن هذا الأستاذ غير مقتنع بالبرنامج الذي يفترض أن يقدمه إلى التلاميذ، وهذه مشكلة أساسية.

التكوين، من رياض الأطفال إلى التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي والعالي، لم نعتنِ به كما يجب، وكنا دائماً تحت وطأة العدد. ففي بداية الاستقلال كان الهدف نشر التعليم، ثم فرض النمو الديمغرافي الاستنجاد بالأجانب ومتوسطي التكوين. اليوم انتهت هذه المشاكل وتخلصنا من هذه الضغوط، وعلينا الاهتمام بالكيف وتكوين الأطر.

من المعطيات التي أذكرها في التسعينيات أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي، الذي كنت عضواً فيه، عرض علينا مشروع قانون يتعلق برياض الأطفال. ومما أذكره أن أربع معلمات فقط كان لهن تكوين متخصص، أما البقية فلم تكن لهن كفاءة. وهذا أمر خطير.

كذلك بالنسبة إلى التعليم الابتدائي، لا بدّ من مراجعات جذرية. وشخصياً، أرى أن الامتحانات في السنوات الثلاث الأولى لا معنى لها بالنسبة إلى هؤلاء الأطفال. وهذه ليست فكرتي، فقد قرأت دراسات عدة عن التعليم في فنلندا وسنغافورة بصفة خاصة.

في فنلندا، يلازم المعلم تلاميذه يوماً كاملاً، يعيش معهم، وينظف معهم قاعة الدرس، ويأكل معهم. بهذا يشعر التلميذ أنّه يعيش في أسرة، لا في قسم. فدور المعلم لا يجب أن يقتصر على تقديم المعلومات فقط، لأنه مربٍّ قبل كل شيء. والمعلمون في فنلندا يتلقون تعليماً وتكويناً جامعياً طويلاً بعد البكالوريا.

وفي سنغافورة، أولى لي كوان يو، رئيس الوزراء المؤسس وباني نهضتها بعد الانفصال عن ماليزيا، التعليم مكانة مركزية، وجعل للمربين مكانة اجتماعية واعتبارية.

– شهدت السنوات الأخيرة أعمالاً إرهابية في أوروبا والولايات المتحدة عمّقت الهوة بين الشرق والغرب، وفاقمت صور العداء تجاه العرب والمسلمين، رغم الدراسات التي أنجزها المستشرقون وحركة الترجمة. كيف يمكن أن يتجاوز العالم هذا المأزق؟

– أولاً، أعتقد أن الاستشراق انتهى. آخر مستشرق يعرف المصادر والنصوص هو يوسف فان إس، 1934-2021. الآن هناك متخصصون في العلوم السياسية يهتمون بالظواهر السياسية، لكنهم لا يعرفون النصوص المؤسسة رغم معرفتهم باللغة العربية.

من جهة أخرى، لم يكن المستشرقون، في أغلب الأحيان، فاعلين في السياسة الغربية، بل كانوا أدوات أكثر منهم فاعلين. هناك استثناءات؛ مثلاً، كان صوت ماسينيون مسموعاً، وكان له صيت يتجاوز اختصاصه، وكذلك جاك بيرك إلى حد ما، لكن لم يكن لهم تأثير حاسم في الجامعة الغربية.

المشكلة بالنسبة إلى الغرب لا تكمن في تأثير الاستشراق، وإنما في تأثير الدعاية وارتباطها برأس المال الذي يحكم الإعلام اليوم. ففي فرنسا، التي كانت نموذجاً لحرية التعبير، أغلبية وسائل الإعلام مملوكة لرأس المال، ولم تبقَ إلا عناوين قليلة جداً يمكن اعتبارها مستقلة. أما البقية، فهي تحت تأثير رأس المال والرأسمالية المتوحشة التي تدير الرأي العام.

هناك مهتمون بالشؤون العربية، لكنهم هامشيون للأسف.

– شهدت الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي في العالم العربي بروز مشاريع فكرية مهمة: عبد المجيد الشرفي، محمد أركون، الطيب تيزيني، محمد عابد الجابري… لماذا تغيب اليوم هذه المشاريع الكبرى؟ هل هناك تفسير لذلك؟

– نعم، هناك تفسير موضوعي. في الأجيال السابقة، في العالم العربي أو خارجه، كان هناك من سمّاهم طه حسين «قادة الرأي». عندما يعبّر أحد منهم عن رأي ما، فإن رأيه يُسمع. هذا لم يعد موجوداً اليوم لسبب بسيط، وهو شيوع الإعلام عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

أي رأي اليوم، مهما كان صيت صاحبه، عندما يُعبّر عنه، يضيع وسط مليارات الآراء التي يعبّر عنها ناس عاديون، وأحياناً جهلة. فوضع كهذا لا يجعلنا ننتظر بروز أسماء مثلما كان الأمر سابقاً. لكن هناك مقاومة من التجمعات المدنية والمبادرات التي تستعمل وسائل التواصل الاجتماعي للضغط، مثلما حصل في الولايات المتحدة في حرب غزة. فرغم الاضطهاد والتعسف اللذين نالا الطلبة، تغيّر الرأي العام في الولايات المتحدة. وهذا من شأنه أن يؤثر على المدى الطويل في القرار السياسي، وحتى في بريطانيا وفرنسا وغيرهما.

– توليت رئاسة مجمع بيت الحكمة في دورة واحدة. كيف ترى أهمية دور بيت الحكمة اليوم؟

– دور بيت الحكمة، بالأمس واليوم وغداً، لن يتغير. المجامع لها دور أساسي هو أن تكون ضمير الأمة، لأن فيها نخبة من الأعلام في ميادينهم، ممن فرضوا حضورهم بإنتاجهم. فهذه النخبة، بصفة عامة، يكون لها وزن معنوي. وظيفتها ليست نشر المعرفة على نطاق واسع، بل أن تكون الضمير العلمي لأمة من الأمم. وأعتقد أن بيت الحكمة يجب أن تكون له الإمكانات ليقوم بهذا الدور.