بدأت سلالة “بونديبوجيو” النادرة من فيروس “إيبولا” بالظهور في نطاق محدود أواخر أبريل/نيسان الماضي، مع تسجيل إصابات أولية في مقاطعة إيتوري شرقي جمهورية الكونغو الديمقراطية، قبل أن تمتد تداعياتها إلى أوغندا المجاورة. ومع تزايد المخاوف من احتمالات الانتشار العابر للحدود، تحولت هذه الإصابات المحدودة إلى ملف صحي يثير اهتماماً إقليمياً ودولياً واسعاً، في ظل متابعة مكثفة من الهيئات الصحية العالمية.
في تطور يعكس خطورة الوضع، رفعت “منظمة الصحة العالمية” مستوى الخطر المرتبط بالسلالة إلى درجة “مرتفع جداً”، مؤكدة أن التفشي الجاري في كل من جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا يشكل “حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً”. ورغم ذلك، أوضحت المنظمة أن الوضع لم يبلغ بعد مستوى “الطارئة الوبائية” وفقاً للوائح الصحية الدولية، مع استمرار الجهود لاحتواء الفيروس ومنع اتساع نطاق انتشاره.
في موازاة ذلك، فرضت الولايات المتحدة قيوداً مؤقتة على دخول المقيمين الدائمين القادمين من الكونغو الديمقراطية أو أوغندا أو جنوب السودان خلال الأيام الـ21 الماضية، في خطوة عكست تصاعد المخاوف من انتقال العدوى عبر الحدود.
وجاء الإعلان الدولي بعد تأكيد إصابة رجل كونغولي بسلالة “بونديبوجيو” في مستشفى خاص بكمبالا، حيث أُدخل في 11 مايو وتوفي بعد ثلاثة أيام قبل اكتشاف إصابته، ثم نُقل جثمانه إلى الكونغو الديمقراطية، في حادثة أعادت تسليط الضوء على هشاشة الحدود الإقليمية أمام الأوبئة سريعة الانتشار.
استجابة سريعة وأرقام متصاعدة
بحسب “منظمة الصحة العالمية”، شملت إجراءات الاستجابة نشر فرق ميدانية، وتعزيز الترصد، وتأكيد الفحوص مخبرياً، وإنشاء مراكز علاج آمنة، إلى جانب التنسيق عبر الحدود والانخراط المجتمعي.
وتغيّرت أرقام التفشي سريعاً خلال أيام. فحتى 16 مايو، تحدثت المنظمة عن ثماني حالات مؤكدة و246 حالة مشتبه بها و80 وفاة مشتبه بها في إيتوري. لكن بحلول 25 مايو، أعلن المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، أن إجمالي الحالات المشتبه بها في الكونغو تجاوز 900 حالة، مع تسجيل 101 حالة مؤكدة، مؤكداً أن المخاطر مرتفعة وطنياً وإقليمياً ومنخفضة عالمياً.
وفي أوغندا، ارتفع عدد الإصابات المؤكدة إلى سبع حالات، من بينها ثلاثة عاملين صحيين في مستشفيات خاصة بكمبالا، إضافة إلى سائق خالط المريض الكونغولي المتوفى. وأثارت هذه الإصابات تساؤلات حول قدرة المنشآت الصحية غير الحكومية على تطبيق بروتوكولات الوقاية من العدوى، وكشفت أن الثغرات لا تقتصر على المعابر الحدودية بل تمتد إلى داخل المؤسسات الطبية نفسها.
الأمن الصحي يتجاوز المستشفيات
كشفت الأزمة الأخيرة أن إدارة الأوبئة في شرق إفريقيا لم تعد ترتبط بالمستشفيات والمختبرات فقط، بل أيضاً بإدارة الحشود البشرية والتجمعات الدينية الكبرى بوصفها جزءاً من الأمن الصحي الإقليمي.
في هذا السياق، قررت الحكومة الأوغندية تأجيل احتفالات “يوم الشهداء” في ضريح ناموغونغو، وهي من أكبر المناسبات الدينية في شرق إفريقيا، بسبب مخاطر انتقال العدوى مع تدفق الحجاج من شرق الكونغو الديمقراطية. وأشادت منظمة الصحة العالمية بالقرار، مشيرة إلى أن المناسبة كانت قد تستقطب نحو مليوني شخص.
وامتدت الإجراءات الوقائية إلى المعابر الحدودية، بعدما علّقت السلطات عبور 77 حاجاً كاثوليكياً قادمين من الكونغو الديمقراطية عند معبر مبونديوي، بالتزامن مع تكثيف عمليات الفحص والترصد في المناطق الحدودية عالية الخطورة. واعتبر المدير الإقليمي لـ “منظمة الصحة العالمية – إفريقيا”، محمد جنبي، قرار تأجيل المناسبة “خطوة مهمة لحماية الصحة العامة ومنع انتقال واسع النطاق للفيروس”، فيما أكد تيدروس أن أوغندا اتخذت “إجراءات سريعة واحترازية” للحد من انتشار الوباء.
أما على المستوى الإقليمي، استضافت كمبالا اجتماعاً وزارياً رفيع المستوى ضم ممثلين من الكونغو الديمقراطية وأوغندا وجنوب السودان، برعاية منظمة الصحة العالمية، في مؤشر على التحول من منطق الاستجابة الوطنية المنفردة إلى نموذج الأمن الصحي الإقليمي المشترك.
من إرث “الإيدز” إلى إدارة الأوبئة
لا ترتبط سرعة الاستجابة الأوغندية الحالية بقدرات طارئة جرى بناؤها حديثاً، بل بتراكم مؤسسي تشكل عبر عقود من التعامل مع الأوبئة، بدءاً من مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية في التسعينيات وصولاً إلى موجات الـ “إيبولا” المتكررة خلال العقدين الأخيرين.
وخلال التسعينيات، طورت أوغندا واحدة من أبرز التجارب الإفريقية في مكافحة “الإيدز”، عبر نموذج قائم على المشاركة المجتمعية واللامركزية الصحية، من خلال دمج القادة المحليين والمؤسسات الدينية ومنظمات المجتمع المدني في حملات التوعية والرصد.
في الوقت ذاته، ترى أوساط صحية أن أوغندا نجحت في تحويل التجارب الوبائية إلى “ذاكرة مؤسسية”، بحيث أصبحت إجراءات مثل تتبع المخالطين والعزل المجتمعي والتواصل الصحي المحلي جزءاً دائماً من بنية النظام الصحي. وشهدت البلاد عدة تفشيات للـ “إيبولا”، أبرزها تفشي عام 2000 المرتبط بسلالة “إيبولا السودان” الذي أودى بحياة أكثر من 220 شخصاً، إضافة إلى تفشي “بونديبوجيو” عام 2007، ثم موجة 2022 التي سجلت 164 إصابة و77 وفاة.
وخلال تلك الموجات، اعتمدت السلطات الصحية على ثلاثة محاور رئيسية: العزل السريع للحالات، وتتبع المخالطين عبر شبكات ميدانية، والربط المباشر بين المختبرات ومراكز اتخاذ القرار، فيما لعب العاملون الصحيون والمتطوعون دوراً محورياً في تقليل المقاومة المجتمعية للإجراءات الوقائية.
اللقاحات والتحديات العابرة للحدود
أبرزت التفشيات الأخيرة أيضاً تطور القدرات البحثية والمخبرية في أوغندا، خصوصاً مع إطلاق تجارب سريرية للقاحات موجهة ضد سلالة “السودان” من فيروس “إيبولا”، وهي سلالة لا يتوفر لها لقاح مرخص حتى الآن. وينطبق الأمر نفسه على سلالة “بونديبوجيو” المتفشية حالياً، إذ لا يوجد لها لقاح أو علاج معتمد، ما يجعل الاحتواء الميداني خط الدفاع الأساسي.
كما أعلنت “منظمة الصحة العالمية” في ديسمبر 2022 وصول أولى جرعات اللقاحات التجريبية إلى كمبالا بعد 79 يوماً فقط من إعلان التفشي، في واحدة من أسرع عمليات الاستجابة البحثية خلال الأوبئة الحديثة. وعززت أوغندا استخدام تقنيات التسلسل الجيني وربط المختبرات الوطنية بشبكات الترصد الميداني، بما ساعد في تسريع تحليل العينات وتتبع سلاسل الانتقال.
تحديات صحية هيكلية
ورغم هذا التقدم، تواجه المنظومة الصحية الأوغندية تحديات هيكلية، إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الإنفاق الصحي لا يزال دون 4% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تبقى كثافة العاملين الصحيين المؤهلين أقل من عتبة التغطية الصحية الشاملة، وفق بيانات منظمة الصحة العالمية.
في ختام الجمعية الصحية العالمية التاسعة والسبعين في جنيف، حذر تيدروس من أن العالم لا يزال عرضة لأمراض معدية سريعة الانتشار، رابطاً بين تفشي إيبولا وظهور فيروس هانتا في مناطق أخرى، وداعياً الدول إلى تعزيز تمويل المنظومة الصحية العالمية.
مع تصاعد المخاطر الصحية العابرة للحدود، يبدو أن مستقبل الأمن الصحي في شرق إفريقيا لن يعتمد فقط على المختبرات واللقاحات، بل على قدرة الدول على بناء مؤسسات صحية مرنة، قادرة على تحويل الخبرة المتراكمة إلى منظومة استجابة دائمة تتجاوز منطق الطوارئ المؤقتة نحو مفهوم أوسع للأمن الصحي الإقليمي.















