في زمن باتت فيه المهرجانات الكبرى أسيرة الضجيج الإعلامي والأسماء اللامعة أكثر من انحيازها للسينما الخالصة، جاء تتويج المخرج الروماني كريستيان مونجيو بالسعفة الذهبية في الدورة التاسعة والسبعين لمهرجان “كان” ليبرهن، مرة أخرى، بأن الفن الأصيل لا يزال قادراً على الانتصار على آليات الدعاية. بفضل فيلمه “فيورد”، نجح مونجيو في اقتناص السعفة الذهبية للمرة الثانية في مسيرته، ليلتحق بذلك بالنادي الضيق للسينمائيين الذين حفروا أسماءهم مرتين على الجائزة الأشهر في عالم السينما.
في اللحظة التي أعلن فيها رئيس لجنة التحكيم اسم فيلم “فيورد” للمخرج الروماني كريستيان مونجيو، بدا وكأن مهرجان “كان” يعيد كتابة جزء من تاريخه الذهبي، لا مجرد توزيع جوائزه السنوية. فالرجل الذي سبق أن اقتنص السعفة الذهبية قبل 19 عاماً، عاد اليوم ليكرر المعجزة ذاتها، ويؤكد أن السينما الحقيقية لا تشيخ، بل تنضج مثل نبيذ قديم يحتفظ بمرارة العالم وفتنته في آن معًا.
مونجيو يكرّس سينماه بين عظماء السعفة الذهبية
لم يكن فوز مونجيو هذه المرة مجرد تتويج لفيلم ناجح، بل كان اعترافًا جديدًا بمكانته كسينمائي عنيد، ظل طوال مسيرته يقاوم إغراءات السوق، ويصنع أفلامه كما لو أنه يكتب شهادات قاسية عن أوروبا الشرقية، وعن الإنسان المعاصر المحاصر بالخوف والوحدة والخراب الأخلاقي.
“فيورد”، الذي حمل عنواناً بارداً مثل المضائق الإسكندنافية، جاء هو الآخر قاسيًا في ظاهره، لكنه يخفي تحت جليده بركاناً من التوتر الإنساني. فيلم شديد الاقتصاد في الكلام، بالغ السخاء في المعنى، يواصل عبره مونجيو مشروعه السينمائي القائم على تشريح العطب البشري، من دون خطب سياسية ولا استعراضات بصرية مجانية. ولهذا بالتحديد أحبّه النقاد والجمهور معًا.
بهذا الفوز، يدخل مونجيو ذلك “النادي النخبوي” الضيق الذي لا يضم سوى قلة من المخرجين الذين فازوا بالسعفة الذهبية مرتين، وهو نادٍ يشبه سجلًا سريًا لعظماء السينما العالمية، حيث تتجاور أسماء صنعت تاريخ الفن السابع لا تاريخ المهرجانات فحسب.
انتصار السينما الهادئة على ضجيج الاستعراض
المثير أن الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان “كان” بدت منذ أيامها الأولى وكأنها تبحث عن هذا النوع من الانتصارات الرمزية. دورة أوروبية الهوى، متقشفة، بعيدة عن صخب “هوليوود” المعتاد، ومفتوحة على سينما المؤلف بأقسى تجلياتها. وفي وسط هذا المناخ، بدا مونجيو وكأنه الرجل المناسب للحظة المناسبة: مخرج يعرف كيف يحوّل الصمت إلى دراما، والبرد إلى مأساة، والتفاصيل اليومية الصغيرة إلى أسئلة وجودية كبرى.
ولعل المفارقة الأجمل أن مونجيو لا يشبه أبداً صورة “المخرج النجم” التي يحبها الإعلام المعاصر. قبل ثلاث ساعات من حصوله على السعفة صادفناه، وهو يتجوّل وحيدًا في شارع “أنتيب” المجاور لجادة “الكروازيت”، من دون أي حاشية أو حرس! مع مونجبو، لا فضائح، لا استعراض، لا حضور صاخب على السجاد الأحمر. فقط رجل نحيل، بملامح موظف متواضع، يدخل إلى السينما من باب الفكر لا من باب الاستعراض. لكنه، في كل مرة، يخرج منها حاملًا العالم كله فوق كتفيه.
في “كان” الـ 79، لم يفز مونجبو وفيلمه فحسب. الذي انتصر فعلاً هو الإيمان الراسخ بأن السينما لا تزال قادرة على أن تكون فنًا مؤثرًا قادرا على إيقاظ الضمائر، لا مجرد صناعة ترفيه عابرة. وهذا بالضبط ما يذكّرنا به كريستيان مونجيو كلما عاد إلى “الكروازيت”: أن “السعفة الذهبية” جديرة بأن تذهب إلى الفيلم الأكثر صدقًا… لا إلى الأعلى ضجيجًا!















