كان (جنوب فرنسا) – ملحم الزبيدي
كان (جنوب فرنسا) – ملحم الزبيدي

مقالات مشابهة

رسالة "كان" (18)

“الكرة السوداء”.. حين ينبش “كان” جثة إسبانيا الدفينة بين لوركا وذاكرة الحرب

كان (جنوب فرنسا) – ملحم الزبيدي
كان (جنوب فرنسا) – ملحم الزبيدي

يأتي فيلم “الكرة السوداء” Bola Negra بوصفه واحداً من أكثر الأعمال الإسبانية طموحاً في السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب حضوره في الدورة الـ 79 من “مهرجان كان السينمائي”، بل أيضاً لطبيعته المُركّبة التي تمزج بين الشعر والتاريخ والسياسة والهوية الجنسية والذاكرة الجماعية داخل بناء سينمائي كثيف ومشحون بالرموز.

الفيلم من إخراج الثنائي الإسباني Javier Calvo وJavier Ambrossi، حيث استلهما فكرته من مشروع غير مُكتمل للشاعر الإسباني الكبير Federico García Lorca، الذي ظل حضوره الثقافي والسياسي طاغياً على الوعي الإسباني المعاصر، باعتباره شاعراً اغتيل خلال الحرب الأهلية الإسبانية وتحول إلى رمز للحرية الفنية والمأساة التاريخية في آن واحد.

لكن الفيلم لا يتعامل مع “لوركا” بوصفه شخصية تاريخية أو مرجع ثقافي فحسب، بل باعتباره شبحاً يُطارد إسبانيا الحديثة كلها؛ شبح الفن المقموع، والرغبة المؤجلة، والذاكرة التي لم تُدفن تماماً.

شبكة زمنية تعيد إنتاج الجرح

لا يقدم “الكرة السوداء” سرداً تقليدياً بقدر ما يبني شبكة زمنية متداخلة تمتد عبر ثلاث حقب: 1932، و1937، و2017. في كل حقبة تظهر شخصيات تبدو منفصلة ظاهرياً، لكنها مرتبطة بخيط خفي من الخوف والرغبة والفقدان والبحث عن الذات. هذه البنية الزمنية لا تعمل كاستعراض تقني بقدر ما تتحول إلى الفكرة المركزية للفيلم: التاريخ لا يمضي فعلاً، بل يعيد إنتاج جروحه بأشكال مختلفة.

في القسم الأول، العائد إلى أوائل الثلاثينيات، تبدو إسبانيا وكأنها تعيش لحظة ثقافية متوهجة تسبق الانهيار الكبير. المقاهي والمسارح والحوارات الأدبية تمنح المشاهد إحساساً بعالم يحتفل بالحياة والفن، لكن الكاميرا تزرع منذ البداية شعوراً خفياً بالاختناق القادم. الإضاءة الدافئة لا تبدو مطمئنة تماماً، وحركة الشخصيات داخل الإطارات الضيقة توحي بأن هذا الازدهار يحمل في داخله نذر الكارثة المقبلة.

أما مرحلة 1937، فتأتي بوصفها القلب الأكثر قسوة في الفيلم. هنا تدخل الحرب الأهلية الإسبانية إلى صلب السَّرد، ويتحوّل الجسد الإنساني إلى مساحة للخوف والقمع والاختفاء. لا يتعامل العمل مع الحرب كحدث عسكري مباشر، بل كآلة تمحو الأفراد والذاكرة والرغبات الخاصة. الشخصيات لا تخشى الموت وحده، بل تخشى أن تُمحى قصصها بالكامل.

ومن هنا يكتسب عنوان “الكرة السوداء” معناه الرمزي؛ إذ تبدو “الكرة” كتلة كثيفة من الحداد والمصير والسِّر الثقيل الذي ينتقل بين الأجيال، كأن التاريخ نفسه يتحول إلى جسم مُعتم يسقط باستمرار فوق أرواح الشخصيات.

أما خط 2017، فهو الأكثر تعقيداً نفسياً، حيث يربط الفيلم الماضي بالحاضر من خلال شخصيات تعيش أزمة هوية وذاكرة وتحاول فهم ما الذي بقي من إسبانيا القديمة داخل المجتمع الحديث. هنا يطرح الفيلم سؤاله الأعمق: هل استطاعت الحداثة الإسبانية تجاوز العنف التاريخي فعلاً، أم أنها اكتفت بإخفائه تحت طبقات جديدة من الخطاب السياسي والثقافي؟

لغة بصرية بين الحلم والكابوس

بصرياً، يعتمد الفيلم على لغة شاعرية مشبعة بالرموز، متأثرة بوضوح بالمسرح وباللغة اللوركية تحديداً، حيث تمتزج الواقعية بالهذيان والرمز الشعري. الإضاءة الداكنة والمساحات المغلقة والانتقالات الحادة بين الأزمنة تمنح العمل إحساساً دائماً بالحلم المضطرب أو الكابوس التاريخي المستمر.

كما يوظف المخرجان المونتاج بطريقة تجعل الأزمنة الثلاثة تبدو وكأنها تحدث في اللحظة نفسها، لا كفترات منفصلة. بعض القطعات البصرية تأتي أشبه بارتطام ذاكرة بأخرى، فيما تتحول الوجوه والأماكن إلى مرايا زمنية تعكس الخوف ذاته وإن تغيرت العقود.

ويبدو حضور Penélope Cruz وGlenn Close  جزءاً عضوياً من هذا العالم لا مجرد استعراض نجومي. الأداءات تميل إلى الكتمان الداخلي أكثر من الانفعال المباشر، وكأن الشخصيات تعيش دائماً تحت ثقل شيء غير قابل للقول. حتى لحظات الصمت الطويلة تبدو هنا أكثر تعبيراً من الحوار نفسه.

بين الطموح والإفراط الرمزي

ورغم القوة البصرية والفكرية الواضحة، فإن الفيلم لا يخلو من بعض المآخذ. فالإفراط في الرمزية، خصوصاً في النصف الثاني، قد يجعل العمل شديد النخبوية بالنسبة إلى بعض المشاهدين، كما أن التنقل المستمر بين الأزمنة يتطلب تركيزاً عالياً قد يخلق مسافة عاطفية مع الشخصيات أحياناً.

كذلك تبدو بعض المشاهد غارقة في جمالياتها البصرية إلى درجة تُبطئ الإيقاع الدرامي، وكأن الفيلم يفضّل التأمل الشعري على التطور السردي التقليدي. إلا أن هذا الخيار نفسه قد يكون جزءاً من هوية العمل، باعتباره فيلماً معنياً بالذاكرة أكثر من الحكاية، وبالأثر النفسي أكثر من الحبكة المباشرة.

في جوهره، لا يبدو “الكرة السوداء” فيلماً عن الماضي فحسب، بل عن فكرة الإرث الثقيل الذي تحمله المجتمعات حتى بعد مرور عقود على الحروب والانقسامات. إنه عمل يتعامل مع التاريخ بوصفه ذاكرة حيّة، ومع الفن باعتباره وسيلة لمقاومة المحو والنسيان.

لهذا يمكن قراءة الفيلم كمرثية لإسبانيا الممزقة، وفي الوقت نفسه كرسالة عن هشاشة الإنسان أمام السلطة والعنف والزمن، وعن قدرة الفن، رغم كل شيء، على إبقاء الأشباح حيّة داخل الذاكرة الجماعية.