كان (جنوب فرنسا) - جمال بدومة
كان (جنوب فرنسا) - جمال بدومة

مقالات مشابهة

رسالة "كان" (15)

الروسي أندريه زفياغنتسيف يقتبس “المرأة الخائنة” لكلود شابرول: هل يخطف “المينوتور” سعفة “كان” الذهبية؟

كان (جنوب فرنسا) - جمال بدومة
كان (جنوب فرنسا) - جمال بدومة

في “مينوتور” يوقّع أندريه زفياغنتسيف على دراما حميمية، بخلفية سياسية، من خلال قصة تفكّك أسرة روسية على إيقاع انهيار بلد بأكمله. مأساة زوجين من الطبقة المخملية، تَبدّد بينهما الشغف، وتسرب الملل إلى علاقتهما، انتهت بالخيانة. وفي خلفية المشهد، الحرب الروسية على أوكرانيا.

المخرج الذي فاز بالجائزة الكبرى لمهرجان “كان” عام 2017 عن فيلمه “بلا حبّ”، يمكن أن يستحوذ هذه الدورة على السعفة الذهبية عن جدارة، لأنه يقترح واحدًا من أفلام الصفّ الأول، بحبكة درامية مشوّقة، ولغة سينمائية رفيعة، ويعيد الاعتبار للقضايا الكبرى، في وقت اختار معظم المخرجين المرموقين في الدورة الـ 79 من المهرجان، تأمّل وجوههم وفنهم ومهنتهم!

المرأة الخائنة

روسيا 2022. غْليب (أناتولي بيلي) رجل أعمال يعيش مع زوجته غالينا (إيريس ليبيديفا) مع ابن على أعتاب المراهقة. رب الأسرة غارق في العمل ومشاكله، والزوجة تعتني بالبيت. يتسرَّب الملل لحياتهما، ويُخيم الفتور على علاقتهما الزوجية، ويسود عليها شبح الخيانة. منذ البداية نكتشف أن غالينا تتحدث هاتفيًا مع شخص مجهول بمجرد مغادرة زوجها للبيت مرافقًا والدته التي كانت تزورهم. يتسلل الشك إلى غْليب رويدًا رويدًا، ويكلف مسؤول الأمن في شركته بتتبع خطوات غالينا. تنجح التحريات ويأتيه بالصور والأدلة على أنها تخونه مع أنطون، فنان فوتوغرافي يعيش في حي هامشي. تحت تأثير الصدمة، يذهب غْليب عنده، وينتهي لقاؤهما بجريمة.

القصة مقتبسة من تحفة المخرج الفرنسي كلود شابرول “المرأة الخائنة” (1969). يُظهر أندريه زفياغنتسيف وفاءً للفيلم الذي يُعدّ من علامات سينما الموجة الجديدة في فرنسا، لكنه يزرع القصة في تربة روسية، ويضيف إليها خلفية سياسية. 

الانهيار المزدوج

العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا على أشدّها، السلطات تريد إرسال احتياطيين إلى الجبهة. كل مدينة مجبرة على المساهمة بعدد من المجندين. ينسق العمدة مع الشركات الموجودة بالمدينة لاختيار من يذهبون للحرب، وفق مصالحهم. فرصة لتصفية الحساب مع بعض الموظفين والتخلص من شاهد على الجريمة. الشرطة فتحت تحقيقًا لكنها توقفت بعد مكالمة هاتفية. نكتشف منظومة سياسية واقتصادية واجتماعية تنخرها الرشوة، ويصور المخرج انهيارًا مزدوجًا: انهيار الأسرة وانهيار البلد. 

ينهض السَّرد على خطين متقاطعين: الخيانة الزوجية، التي تستعيد تفاصيل فيلم شابرول، والقلق الذي يسيطر على المدينة بعد طلب السلطات الروسية من السكان المساهمة في التعبئة العسكرية وإرسال مجندين إلى الجبهة. ينسج المخرج من الخطين بناءً دراميًا متفردًا، ويمنح للبطل عمقًا تراجيديًا، يجعلنا نتعاطف معه رغم ما يرمز إليه من بشاعة وانهيار أخلاقي، وعبره يشرّح مجتمعًا تتعاظم فيه القبضة السلطوية، وينخرُه الكذب ويستبد به والخوف.

نحو السعفة الذهبية؟

إذا كانت الحرب الروسية على أوكرانيا تهيمن على أجواء الشريط، فإن المخرج لا يصور منها لقطة واحدة. يكتفي بمشهد قطار ينقل عشرات الدبابات، وأسر تودع أبناءها الذاهبين إلى الجبهة في مشهد يذكرنا بأفلام الحرب. يفضل زفياغنتسيف التلميح على المعالجة المباشرة، ويتحكم جيدًا في أدواته الفنية، وفي إيقاع الشريط، الذي تسيطر عليه قتامة أنيقة، وينتهي بمشهد غيوم داكنة من طائرة تحلّق نحو اليونان. 

حين اندلعت الحرب الروسية على أوكرانيا كان زفياغنتسيف يرقد في أحد مستشفيات برلين، بعد أن كاد يودي بحياته وباء “كورونا”، واضطر لمغادرة روسيا من أجل العلاج. الحرب جعلته يتخذ قراره: لن يعود إلى روسيا. هكذا استقر في باريس ابتداء من صيف 2022، وفي العاصمة الفرنسية، نضج مشروع “مينوتور”. فيلمه السابق “بلا حبّ”، واجه عراقيل كثيرة أثناء تصويره في روسيا، ولم ينهه إلا بمشقة كبيرة، لذلك اضطرّ إلى تصوير “مينوتور” في لاتفيا المجاورة. 

عبر فيلمه الجديد يثبت أندريه زفياغنتسيف علوّ كعبه السينمائي، ويكرّس اسمه كواحد من أهم المخرجين الروس في السنوات الأخيرة. إنتاجاته قليلة، بالنظر إلى موهبته، لكن أفلامه تصنع الحدث، منذ شريطه الأول”العودة” الذي عاد بالأسد الذهبي من مهرجان البندقية عام 2003… فهل يسرق “المينوتور” سعفة كان التاسعة والسبعون؟