كان (جنوب فرنسا) - جمال بدومة
كان (جنوب فرنسا) - جمال بدومة

مقالات مشابهة

رسالة "كان" (13)

“الأكثر حلاوة”؛ المغربية ليلى المراكشي تقتحم مزارع الفراولة الإسبانية بعتاد فني متواضع

كان (جنوب فرنسا) - جمال بدومة
كان (جنوب فرنسا) - جمال بدومة

تعود المخرجة المغربية ليلى المراكشي إلى مهرجان “كان” في دورته الـ 79 ضمن فقرة “نظرة ما” بعد 21 عامًا على عرض فيلمها “Marock” في الفقرة ذاتها. المخرجة الشابة، وقتها، أثارت جدلًا واسعًا لأنها صوّرت مغربًا لا تعرفه الغالبية الساحقة من مواطنيها، شباب مخملي نزق، ومُتحرر من كل القيود الاجتماعية والثقافية والدينية. جرأة الفيلم أزعجت القوى المحافظة، وقسّمت الجمهور إلى معسكر يصفّق وآخر يطالب بمنع الشريط، الذي حقق في النهاية نجاحًا في القاعات السينمائية.

في 2013، أنجزت المراكشي فيلمها الثاني “روك القصبة”، لكنه لم يلق صدى كبيرًا مثل “ماروك”، رغم أنها جمعت فيه ممثلين من العيار الثقيل، مثل عمر الشريف ونادين لبكي ولبنى أزبال وهيام عباس. 

حلم يتحول إلى كابوس 

تجري أحداث شريط المراكشي الجديد “الأكثر حلاوة” في الجنوب الإسباني، وسط حقول التوت البري، التي تشتغل في قطافه عاملات موسميات يأتين من المغرب، على أمل تحسين ظروفهن المالية ومساعدة عائلاتهن.

يبدأ الفيلم بلقطات مقربة لأيدي المرشحات للسفر إلى مزارع إسبانيا. الأيدي تشير إلى الوضع الاجتماعي للنساء، وإلى الاتجاه الذي سيذهب فيه الشريط: أقسى درجات البؤس. كلما كانت اليد مشققة وتحمل قسوة الزمن، كلما كان حظ الحصول على الشغل أكبر. مريم (هاجر كريكع)، رسم الزمن على يديها أفظع العلامات، شقوق وتقرّحات. تلتقي في الطريق مع حسناء (نسرين الراضي) بطلة مغربية في التايكواندو، تضطرّها الظروف لمغادرة بلادها، إثر مشاكل مع زوجها أثرت على مسيرتها الرياضية. 

حسناء تريد جمع المال بسرعة لتحسين وضعها. الشابة سريعة الغضب، يغلب على طبعها التَّمرد، فيما تبدو مريم مستسلمة للقدر، تميل إلى الصمت، وتنوء بحمل ثقيل. يوحد بين الشابتين مصير مشترك، وحلم سيتحول بسرعة إلى كابوس.

الصديقتان والوحش

تتوتر العلاقة بين حسناء ومريم، حين يقوم مالك المزرعة الإسباني بالاعتداء جنسيًا على مريم، بعلم صديقتها. ترتمي علاقتهما في منطقة مضطربة، ويصبح التواصل بينهما صامتًا، مبنيًا عن لوم متبادل: مريم غاضبة من حسناء لأنها تركتها بين يدي الوحش، وحسناء حانقة على مريم لأنها استسلمت للوحش، بالإضافة إلى الجرح الأنثوي طبعًا، الرجل اختار صديقتها في النهاية. 

بسبب وضعها الهش، تضطر مريم للاستلام إلى رب المزرعة، وتعيش على إيقاع العار وعقدة الذنب، خصوصًا بعد أن تنتقل للعمل عنده في البيت، مقابل شروط مادية أفضل، مما يؤجج غضب بقية العاملات، ويزيد من توتر العلاقة بينها وبين حسناء. 

يبلغ التوتر الدرامي مداه عندما تتعرض مريم لأزمة صحية خطيرة، ولا يبذل المسؤولون عن المزرعة أي جهد لنقلها للمستشفى. تثور حسناء على مشغليها، وتدخل على الخط محامية إسبانية وجمعية تدافع عن العمال الأجانب، ليتحوّل الشريط إلى معركة قضائية، تسيء أكثر مما تفيد العاملات التعيسات. لكننا نكتشف شجاعة النساء وكيف توحّد بينهم المحنة وتصبح معركة الدفاع عن مريم قضيتهن جميعا.

جرأةٌ وثغرات فنية 

الفيلم عبارة عن دراما اجتماعية لا تخلو من جرأة، رغم بساطة تركيبتها الدرامية. تركز المخرجة على تصوير عملية جني التوت البري وملامح العاملات وشروط عيشهن القاسية أكثر من عنايتها بالحبكة الدرامية وبناء الشخصيات، لذلك نجد أنفسنا أمام فيلم أقرب إلى الشريط الوثائقي. ربما لأن المشروع في الأصل بني على شهادات جمعتها  ليلى المراكشي من عين المكان في منطقة هويلفا الأندلسية

المعالجة الفنية لا ترتقي إلى جرأة اختيار الموضوع. تقدم المخرجة صورة صادمة للمخيم الذي تتكدس فيه العاملات الموسميات، في غياب أبسط شروط العيش، 

ونكتشف ظروف عمل أقرب إلى العبودية. تتوفق المخرجة في تصوير مأساة عصرية على الأراضي الأوروبية، لكن المعالجة الفنية لا ترقى إلى جرأة اختيار الموضوع. هناك ثغرات في السيناريو، وضعف في بناء الشخصيات، خصوصًا الذكورية، مثل شخصية المترجم. 

ما ينقذ الفيلم هو الأداء البارع للثلاثي هاجر كريكع ونسرين الراضي وفاطمة عاطف. كريكع بليغة جدًا في صمتها، تبدع في دور امرأة تنوء بحمل ثقيل، تستسلم لمصيرها بقدرية مدهشة، ينخرها العار وعقدة الذنب، فيما تبدع نسرين الراضي في دور شابة حانقة، تكره الظلم، وتقود تمردًا على الاستغلال. أما فاطمة عاطف، فتثبت مرة أخرى أنها ممثلة تحبها الكاميرا، تتألق في دور العاملة المخضرمة، التي تفهم ما يجري أكثر من غيرها، وتتعاطف مع زميلاتها بحذر… كما يتحفنا صوتها الشجي ببعض الأغاني الأمازيغية الحزينة.