جان مولان (1899-1943) بطل فرنسي بلا منازع. قائد المقاومة المسلحة ضد الاحتلال النازي في الأربعينيات، وقع بين أيدي الغيستابو، البوليس السري الألماني، في حزيران/يونيو 1943، وتعرض للتعذيب حتى الموت، دون أن يحظى منه العدوّ بأي اعتراف، مما مكّن المقاومة السرية من الاستمرار والانتصار.
بالنظر إلى مكانة “مولان” في تاريخ فرنسا الحديث، كان الجميع يترقب الشريط الذي أنجز عن حياة الرجل، وجرى اختياره في المسابقة الرسمية لمهرجان “كان” السينمائي في دورته التاسعة والسبعين.
سقف انتظار عالٍ
ما يرفع من منسوب التشويق هو اسم المخرج الذي يقف وراء العمل، الهنغاري لازلو نيميس، الذي سحر الكروازيت عام 2015 بفيلم عن المعسكرات النارية في الفترة ذاتها، “اِبن سول”، الذي حقّق تتويجًا مزدوجًا: جائزة لجنة التحكيم في “كان” و”أوسكار” أفضل فيلم أجنبي عام 2016.
لا نعرف تفاصيل كثيرة عن مصير مولان بعد التوقيف. الشيء المؤكد أن النازيين اعتقلوه في حزيران/يونيو 1943 في كالوير إيكوير بضواحي ليون، وأنه تعرض للتعذيب على يدي كلاوس باربي، رئيس الغيستابو في المدينة المحتلة، الذي توفّي في سجن فرنسي بعد إحدى أشهر محاكمات رموز النظام النازي بعد الحرب العالمية الثانية. بعد الاستنطاق، قرر النازيون نقل مولان إلى ألمانيا لكنه مات في الطريق متأثرًا بآثار التعذيب، ولم يعثر على جثمانه أبدًا.
سقف الانتظار كان عاليًا، لذلك أصيب من كانوا ينتظرون “بيوبيك” عن “قائد مجلس المقاومة” بخيبة أمل. بدل سرد حياة البطل التراجيدي، اختار لازلو نيميس التركيز على المواجهة بينه وبين كلاوس باربي.
لعب مستمر بالضوء والعتمة
في يناير/تشرين الثاني 1942 يعود “مولان” من لندن إلى فرنسا بعد لقاء مع الجنرال ديغول، كلفه فيه بتوحيد حركات المقاومة المسلحة. يكثف المحافظ الفرنسي السابق لقاءاته مع قادة المقاومة السرية، تحضيرًا لاجتماع حاسم في عيادة طبية بضواحي ليون. لكن خبر الاجتماع يصل إلى المخابرات النازية، ويسقط المقاومون في بين أيدي الشرطة السرية الألمانية.
يبدأ الفيلم المصور على شريط 35 ملمتر، بصور أرشيفية تؤرخ لهزيمة فرنسا أمام ألمانيا عام 1940، ثم نشاهد جان مولان وهو ينزل بالمظلة في ليون. رغم الحمولة التاريخية للقصة، نجد أنفسنا أمام شريط من النوع البوليسي (Film noir)، بكل خصائص هذا الصنف السينمائي من الأشرطة : أجواء قاتمة، طرقات مبللة، دخان في الشوارع، لعب مستمر بالضوء والعتمة، بطل حذِر ومتعب، خائن يبيع البطل، وامرأة لعوب طبعا، تؤدي دورها باقتدار الممثلة لويز بورغوان.
فيلم تحت الطلب
عندما يسقط المقاوم في الفخ، يبدأ فيلم جديد: المواجهة بين المقاوم والجلاد، مع مشاهد الاستنطاق والتعذيب لانتزاع الاعترافات. الشريط مواجهة فنية بين ممثلين من العيار الثقيل، المخرج والممثل الفرنسي جيل لولوش الذي يقدّم شخصية كاريزمية بعمق تراجيدي، والألماني لارس أيدينغو، في دور جلَّاد سادي.
يتحرك مولان بهوية مزيفة، جاك مارتال، بكل حمولتها التاريخية. شارل مارتال هو من أنقذ فرنسا من زحف الجيوش العربية في بواتييه عام 732. يقدّم نفسه كمهندس ديكور داخلي، تقع في غرامه الكونتيسة (لويز بورغوان)، التي تريده أن يشرف ديكور بيتها.
الشريط ليس مبادرة فنية من المخرج لازلو نيميس، بل طلب من المنتج الفرنسي ألان غولدمان. غولدمان لجأ إلى الروائي والسيناريست أوليفييه دومانجال، المتعود على كتابة الأفلام التاريخية، مثل “الرماة” (2022) حول الجنود السينغاليين في الجيش الفرنسي الاستعماري و”نوفمبر” (2022) عن التحقيق حول اعتداءات 13 نوفمبر 2015. بعد تحضير السيناريو، اتصل بالمخرج الهنغاري، صاحب “ابن سول”، الذي درس في باريس ويعرف فرنسا جيدًا.
نيميس سعى إلى تصوير الفيلم في ليون، مدينة جان مولان، لكنه اكتشف أنها تغيرت كثيرًا مقارنة مع 1943، مما جعله يشد الرحال إلى هنغاريا حيث جرت المشاهد في ديكور طبيعي، باستثناء اللقطات التي تدور في سجن مونلوك، التي صورت في أحد الاستوديوهات بضواحي بودابيست.
رغم إيقاعه الرشيق، وحبكته الدرامية المشوقة، هناك شيء ما ينقص الشريط: الثقل التاريخيّ أكبر من الإنجاز الفني. نحن بعيدون عن السحر الذي يحتبئ بين مشاهد فيلم لازلو نيميس السابق “ابن سول”… ربما أيضًا، لأن الأمر يتعلق بفيلم تحت الطلب!















