في لحظةٍ تبحث الجزائر عن إعادة تقديم رموزها التاريخية إلى العالم بلغة الثقافة والمعرفة، يأتي إعلان وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عن إطلاق برنامج الزمالة البحثية بكرسي الأمير عبد القادر في جامعة أكسفورد البريطانية، ليؤكد أن الأمير لم يعد شخصية من الماضي أو بطل مقاومة ضد الاستعمار فحسب، بل تحوّل إلى جسر فكري وحضاري بين الجزائر والعالم.
الخبر لا يتعلق بمنحة أكاديمية عابرة، بل يحمل أبعادًا رمزية وثقافية عميقة، لأن اختيار اسم الأمير عبد القادر ليكون عنوانًا لكرسي بحثي في واحدة من أعرق الجامعات العالمية، يعني أن العالم بدأ يقرأ الرجل خارج الصورة التقليدية للمجاهد والقائد العسكري، ليكتشف فيه مفكرًا إنسانيًا ورائدًا مبكرًا لفكرة التسامح وحوار الحضارات.
لقد كان الأمير عبد القادر، مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، سابقًا لعصره في فهم معنى التعايش الإنساني. ففي زمن كانت الحروب الدينية والصراعات الطائفية تمزق المجتمعات، قدم الأمير نموذجًا أخلاقيًا نادرًا، تجلّى خصوصًا في موقفه الشهير بدمشق سنة 1860 حين أنقذ آلاف المسيحيين من المجازر، مخاطرًا بحياته ومكانته من أجل حماية الأبرياء. ذلك الموقف لم يمنحه فقط احترام العالم الإسلامي، بل جعله يحظى بتقدير واسع في الأوساط المسيحية والأوروبية، حتى اعتبره كثيرون أحد أبرز دعاة الإنسانية في القرن التاسع عشر.
صوت أخلاقي في وجه الانقسام والخوف
لعل ما يمنح هذه المبادرة الأكاديمية أهميتها اليوم، أنها تأتي في سياق دولي شديد الحساسية، حيث تتصاعد خطابات الكراهية والانغلاق الديني والصدام الثقافي. هنا يبدو الأمير عبد القادر اليوم معاصرًا أكثر من أي وقت مضى، لأن القيم التي دافع عنها قبل قرنين، أي التسامح وحماية الآخر والحوار بين الأديان واحترام الإنسان، أصبحت من أكثر القيم تعرضًا للتهديد في عالمنا الحالي.
المفارقة العميقة، أن رجلًا عاش في القرن التاسع عشر، قد يكون أكثر حداثة وإنسانية من كثير من الخطابات السياسية المعاصرة. وربما لهذا السبب تحديدًا، يعود الأمير عبد القادر اليوم إلى واجهة النقاش العالمي، ليس فقط باعتباره مؤسس الدولة الجزائرية، بل كصوت أخلاقي في مواجهة عالم يتجه شيئًا فشيئًا نحو الانقسام والخوف من الآخر.
فيلم الأمير.. السينما كقوة ناعمة
اللافت أيضًا في برنامج الزمالة المعلن عنه، أنه خطوة تحمل وعيًا جديدًا بأهمية “القوة الناعمة”، أي قدرة الدول على التأثير من خلال الثقافة والفكر والتاريخ، لا عبر السياسة والاقتصاد فقط. الجزائر التي تستعد أيضًا لإنجاز فيلم ضخم حول الأمير عبد القادر برعاية رسمية، تبدو وكأنها تعيد تقديم هذه الشخصية بوصفها رمزًا عالميًا للسلام والحوار، وليس مجرد رمز وطني للمقاومة، بل كنموذج حضاري وإنساني قادر على مخاطبة العالم بلغة الفن والصورة؛ فالسينما لم تعد مجرد وسيلة ترفيه، بل تحولت إلى فضاء لصناعة الوعي وبناء الصورة الذهنية للشعوب والأمم.
من هنا، فإن كرسي الأمير عبد القادر في أكسفورد يتجاوز البعد الأكاديمي الضيق، ليصبح اعترافًا دوليًا بمكانة الجزائر الحضارية، وفرصة لإعادة إدراج الفكر الجزائري في النقاش الإنساني العالمي. كما يمثل رسالة واضحة مفادها أن الجزائر تمتلك في تاريخها شخصيات قادرة على مخاطبة العالم بلغة القيم الكونية المشتركة، أي بلغة التسامح والكرامة الإنسانية والعدالة والعيش المشترك.
ربما لهذا السبب بالذات، لا ينبغي النظر إلى هذا الإعلان كخبر جامعي عادي، بل كجزء من معركة رمزية وثقافية تخوضها الجزائر من أجل استعادة سرديتها التاريخية، وتقديم رموزها الكبرى باعتبارها مساهمة في الحضارة الإنسانية، لا مجرد صفحات في ذاكرة وطنية محلية. وفي قلب هذه السردية، يقف الأمير عبد القادر، لا بوصفه بطلًا جزائريًا فقط، بل باعتباره ضميرًا إنسانيًا ما زال العالم في حاجة إلى الإصغاء إليه.















